د. سالم علي
بن ارحمه
جعل الله تعالى الفرح شعوراً فطرياً في النفس البشرية، وهو من أسمى لذّات القلب وأنقى مشاعره، وقد ربط الإسلام هذا الفرح بالإيمان والطاعة، فقال سبحانه وتعالى:«قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ».
ومن أعظم مواسم الفرح في حياة المسلمين موسم العيد، حيث يلتقي الإيمان بالبهجة، والطاعة بالسرور، فيتحول العيد إلى محطة إنسانية وروحية تعمّق معاني المودة والتراحم داخل الأسرة والمجتمع.
والفرح في العيد ليس شعوراً عابراً، بل هو امتداد لفرح الطاعة والإنجاز بعد موسم من العبادة. وأشار النبي إلى هذا المعنى بقوله: «للصائم فرحتان: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه».
وهكذا يأتي العيد بعد أيام من الصيام والقيام والذكر، ليكون فرحة بجزاء الطاعة، وشكراً لله على التوفيق والهداية.
وجسّد النبي هذا المعنى عملياً حين أقرّ مظاهر الفرح في يوم العيد، فدخل على عائشة رضي الله عنها وعندها جاريتان تغنيان، فلما أنكر أبو بكر ذلك قال النبي: «دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد». كما أذن للحبشة أن يلعبوا في المسجد بالدرق والحراب، ووقفت عائشة تنظر إليهم والنبي يسترها. وهذه المواقف تؤكد أن الإسلام دين يوازن بين العبادة والبهجة، ويقرّ الفرح المشروع الذي يدخل السرور على القلوب.
ومن هنا كان العيد فرصة للأسرة المسلمة كي تجدد روابطها الإنسانية، فهو يوم للتسامح، وصلة الأرحام، وتبادل الزيارات والتهاني، وإحياء مشاعر المحبة بين الأقارب والجيران. كم من قلوب تتصافى في العيد، وكم من خصومات تنتهي بابتسامة أو مصافحة صادقة.
ولعل أجمل ما يلبسه الإنسان في العيد ليس الثياب الجديدة، بل ثوب العفو والصفح والتسامح.
قال علي الطنطاوي:«العيدُ بدون تسَامُحٍ وتصَافُحٍ، هو مُجرَّدُ ورقةٍ على التقويم».
كما أن العيد يعلّم الأسرة معنى المشاركة الاجتماعية، فالمسلم لا يكتفي بفرحته الخاصة، بل يحرص على أن يشارك الآخرين بها، وخاصة المحتاجين.
ولهذا شُرعت زكاة الفطر طُعمةً للمساكين، حتى لا يبقى في المجتمع من يشعر بالحرمان يوم العيد.
وجاء في الحديث: «إن أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم».
والعيد في حقيقته ليس مجرد يوم يبدأ بشروق الشمس وينتهي بغروبها، بل حالة من الصفاء النفسي والتواصل الإنساني. هو مناسبة لنسيان الهموم وتجديد الطاقة، ولمّ شمل الأسرة حول قيم الرحمة والمودة. وما أجمل أن تتحول أيام العيد إلى فرصة لتربية الأبناء على التفاؤل والابتسامة، وأن يعيشوا الفرح في أجواء عائلية دافئة تعزز لديهم الانتماء والمحبة.
الأسرة التي تحسن استقبال العيد بالفرح والسرور، وبالزيارة والصلة، وبمشاركة الآخرين سعادتهم، تصنع في أبنائها ذاكرة جميلة لا تُنسى، وتغرس فيهم معنى العيد الحقيقي: فرح بالطاعة، ومحبة للناس، وشكر لله على نِعمه.
ليكن العيد مناسبة لزرع البهجة في البيوت، ونشر الابتسامة في الوجوه، وإحياء روح التسامح بين القلوب. العيد الحقيقي هو العيد الذي يجمع الأسرة على المحبة، ويجعل الفرح طريقاً إلى التقوى والتراحم بين الناس، ليظل العيد رسالة إنسانية وإيمانية متجددة في كل عام.
[email protected]