د. يوسف الحسن

اليوم، يمكن القول إن مجتمعات عربية عديدة ما زالت تتعثر في دروب التنوير والنهوض والاستقرار والتماسك المجتمعي، فضلاً عن قصور في إدراك المعرفة بواقع الذات وبالعالم وتحولاته.
في إقليم الخليج العربي، الذي عانى هيمنة خارجية طويلة عزلته عن التقدم، بدت أفكار التنوير، مع محاولات تجَّار ومتعلمين تجاوز هذه العزلة المفروضة، فعملت على فتح مسارب لها على حركة التجارة والتعليم في محيطها الجغرافي، وكانت البذرة الأولى للتعليم بمبادرات من قطاع التجار المتنورين، بدءاً من التعليم التقليدي (الكتاتيب) خاصة في المراكز التجارية البحرية الرئيسية، ومروراً بالتعليم شبه النظامي، وصولاً إلى مرحلة اكتشاف النفط.
كانت الكويت والبحرين قاعدتين مهمتين لتأسيس المشروع التنويري في إقليم الخليج، وبدء الانتقال والانفتاح على أفكار الإصلاح، وعلى مراكز ثقافية وصحف ومجلات تصدر في مصر وبلاد الشام، وظهرت نوادٍ ثقافية، وتمكنت شرائح مجتمعية من تعليم أبنائها في تلك المراكز الثقافية العربية، إضافة إلى الهند، والانفتاح على حركة النشر، ومطبوعات متأثرة بمسار التنوير العربي الثقافي.
ومع تسارع وتيرة التحولات بعد اكتشاف النفط، ظهر جيل جديد من الإصلاحيين، شعراء وعلماء وقضاة وتجارٍ ميسورين، ووعي جديد لدى الناس، إضافة إلى تغيرات سكانية وحضرية إثر استقلال كيانات سياسية، وتحولات اجتماعية وثقافية، وقفزة هيكلية من مجتمع القبيلة إلى مجتمع الدولة الحديثة.
تحديث داخلي، دساتير في معظم الأقطار، انتخابات برلمانية في بعضها، انتشار واسع وسريع في التعليم، تأسيس ما يعرف ب«دولة الرفاه»، تعليم المرأة وتمكينها للمشاركة في مسيرة النهوض، القضاء على الأمية، فضلاً عن إنجاز عناصر متقدمة في منظومة الحداثة والنهضة ورخاء الإنسان وتنميته.
وها هو المجتمع العربي الخليجي اليوم منفتح على العالم في عصر تميزت وتيرته بالسرعة المذهلة في الاتصال والتقانة المتقدمة، ووجد نفسه مطالباً، حضارياً، باستقبال رياح التغيير العاصفة والتفاعل معها، وهضم أفكار النهضة والتنوير، وترتيب احتياجاته المعرفية والاجتماعية، وممارسة دور ريادي في إقليمه وعالمه، والسعي الجاد، للمشاركة في دعم فكرة «استئناف الحضارة العربية»
.....
لا شيء أجمل من الحديث عن «الأنوار» في باريس.