الكثير من المثقفين العرب من النخبة المؤثرة هم اليوم في موقعين متقابلين: الأول: موقع الفرز، والثاني: موقع الاصطفاف. أما الفرز فهو نتاج الوضع العدواني الإيراني الغاشم على دول مجلس التعاون الخليجي بلا رادع أخلاقي أو فكري أو سياسي، وأمّا الاصطفاف فهو نتاج خيار المثقف ودفاعه الشخصي أو الذاتي عن فكر أو أيديولوجية أو حتى سلطة أو دولة في حدّ ذاتها، وفي الحالين، الفرز والاصطفاف، لا يصدر هؤلاء المثقفون عن مواقف، بل هم ينطلقون من مواقع، والفرق واضح عادة بين الموقف، وبين الموقع.. الموقف يعني رؤية ورأي وقناعة وثقافة، والموقع يعني فزعة وتضامناً عاطفياً عشوائياً لا يقوم على فكر ووعي ومعرفة..
اتخذ بعض المثقفين العرب مواقع الاصطفاف التلقائي وراء خطابات وأدبيات وإعلام إيران، إيران النظام وفكر التوسع وآليات المشروع الفارسي، والعقائدي، والطائفي لا إيران الشعب والذاكرة الثقافية المدنية التي تؤمن بمبادئ الجيرة والجغرافية. إيران القوّة واستعراضها لا إيران الثقافة التجاورية التفاعلية، إيران العِرق والدم الفائر والقاع الانتقامي، لا إيران الجماليات والمدنية والروح الإنسانية.
وراء إيران الصواريخ والطائرات المسيّرة ومن موقع الاصطفاف ذهب بعض المثقفين العرب إلى بناء خطاب دفاعي عن نموذج الحرس الثوري وتداعياته الفكرية ودلالاته.
خطاب عربي من جانب مثقفين عرب يدعم نموذج الباسيج، ونموذج الميليشيات الموظفة للحروب بالإنابة أو للإسناد. نموذج تصدير ما يُسمّى الثورة ورعاية الثقافة (اللاذرعية) إن جازت العبارة، أي الأذرع الإيرانية العربية، واقتراح مصطلح (وحدة الساحات)، أي وحدة الميليشيات.
هذا النموذج الإيراني تاجر بفلسطين وما زال يتاجر بها مثلما تاجر بها الذراع الإيراني حزب الله في لبنان، ووراء هذا النموذج ينجرّ مثقفون عرب إلى حدّ التخدير والتنويم المغناطيسي الفكري الذي أوجد حالة الاصطفاف الثقافي العربي عبر (الموقع) لا عبر (الموقف).
حالة (الفرز) مختلفة كلياً عن حالة (الاصطفاف)، فالمثقف العربي الذي يجد نفسه مفروزاً لمصلحة خطاب إيراني في حدّ ذاته سيراجع نفسه ويراجع وضعه الثقافي هذا، ومن ثم، سوف يختار (الموقف) لا (الموقع).
في العدوان الإيراني الشامل والإرهابي على دول الخليج العربي ليس مطلوباً من المثقف العربي أن يخلع جلده أو يرتد أو يصنع معجزة، فهو لم يصنع المعجزة في حالة السلام لكي يصنعها في حالة الحرب، المطلوب من المثقف أن يتموضع في (موقف) لا في (موقع)، مطلوب منه يتجرّد تماماً من التعبئة والحشد والتأطير، والمتاجرة، وأن يجلس إلى ذاته فقط: مرفوع الرأس إلى الحقيقة.