نادية حلمي
تأتي «الدورتان» السنويتان في الصين -المؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني والمجلس الوطني لنواب الشعب- بصفتهما مناسبتين داخليتين لتحديد أولويات الاقتصاد والسياسات العامة. غير أنّ ورقة «من الدورتين إلى العالم» تتعامل مع اجتماعات 2026 باعتبارها «بوصلة استراتيجية» موجهة كذلك إلى «الجنوب العالمي»، وذلك عبر سياسات تنموية وخطاب داعم للتعددية وفكرة «مجتمع المصير المشترك للبشرية».
وتربط الورقة بين مخرجات «الدورتين» وبين رؤية صينية أوسع للحوكمة الدولية تقوم على «الشراكة والمنفعة المتبادلة» بدل منطق العقوبات والاشتراطات. وتضع ذلك في سياق عالم -بحسب القراءة الصينية- تتراجع فيه بعض الدول المتقدمة عن التعاون التنموي وتغلب مصالحها الجيوسياسية على الالتزامات الدولية، بما يشمل العقوبات، وفكّ الارتباط، وتقليص المساعدات، الأمر الذي يهدد «الحق في التنمية» ويُضعف فرص تحقيق أجندة الأمم المتحدة 2030.
وفي هذا الإطار، تتبنى الورقة سردية مفادها أن اختلال بنية الحوكمة العالمية يجعل الدول النامية أقل قدرة على التأثير في صياغة القواعد الدولية.
وتعرض الورقة ما تسميه «المبادرات العالمية» التي ارتبطت بقيادة الرئيس شي جين بينغ: مبادرة التنمية العالمية (2021)، مبادرة الأمن العالمي (2022)، مبادرة الحضارة العالمية (2023)، إلى جانب مبادرة الحوكمة العالمية، باعتبارها إطاراً متكاملاً لبناء «مجتمع المصير المشترك للبشرية». وفي مقاربة النص، لا تُقدَّم هذه المبادرات كحزمة شعارات بقدر ما تُطرح كقنوات عملية لتعزيز الاستقرار والانفتاح والشمولية في العلاقات الدولية، وربط الأمن بالتنمية، والتنمية بالاستقرار الإقليمي.
وتستند الورقة أيضاً إلى إشارات منسوبة إلى الرئيس الصيني حول سياسة «الجوار» والجنوب العالمي، مع تأكيدات على تعزيز الثقة الاستراتيجية، ودعم مسارات تنمية «ملائمة للظروف الوطنية»، وإدارة الخلافات، وتعميق الاندماج التنموي عبر شبكات الربط والبنى التحتية والتعاون في سلاسل الصناعة والإمداد، فضلاً عن التعاون الأمني وتوسيع التبادل الشعبي.
وفي البعد الجيوسياسي، تشدد الورقة على أن «الدورتين» تسهمان -وفق طرحها- في دعم مسار «تعدد الأقطاب» عبر تقوية أطر مثل بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، بما يحدّ من «الهيمنة الأحادية» ويزيد تمثيل دول الجنوب في المنتديات الدولية. غير أن هذا المنطق -حتى لو بدا جذاباً لعدد من الدول النامية- يفتح أسئلة واقعية: هل تستطيع هذه التكتلات ترجمة التمثيل السياسي إلى مكاسب اقتصادية عادلة؟ وهل تملك الدول الشريكة هامشاً كافياً للمناورة كي لا تتحول إلى ساحات تنافس نفوذ بين قوى كبرى؟ في النهاية، التعددية ليست هدفاً نظرياً فقط، بل اختبار لقدرة المؤسسات البديلة على إنتاج قواعد أكثر توازناً لا مجرد إعادة توزيع للنفوذ.
واقتصادياً، تُبرز الورقة «التعاون جنوب - جنوب» باعتباره إحدى نقاط الثقل، مع تركيز على نقل الخبرات الصينية في خفض الفقر والتقدم التقني، وتقليل الاعتماد على الغرب عبر مشاريع مبادرة الحزام والطريق، التي تُقدَّم كرافعة للاستثمار والبنية التحتية «العالية الجودة» وتعميق الاندماج الاقتصادي. كما يربط النص بين ازدهار الدول النامية وبين أمن الصين وتنميتها، في محاولة لصياغة علاقة «اعتماد متبادل» بدل علاقة نفوذ أحادية الاتجاه.
لكن نجاح هذا المسار -من منظور متوازن- يتوقف على تفاصيل التنفيذ: شفافية العقود والتمويل، وتوزيع المخاطر، والجدوى الاقتصادية للمشاريع، وقدرتها على نقل المعرفة وتوليد الوظائف محلياً. كما أن حساسية الديون، وتباين القدرات المؤسسية، واعتبارات السيادة، قد تجعل بعض الدول أكثر حذراً في تحويل البنى التحتية إلى «نموذج» سياسي أو اقتصادي جاهز.
وتدفع الورقة باتجاه فكرة «نموذج تنموي» مستلهم من «التحديث الصيني»، يُعرض كخيار بديل للدول النامية، مع أولوية لقطاعات البنية التحتية والطاقة والنقل والاقتصاد الرقمي. وفي هذا السياق، تُقدَّم «الدورتان» كمنصة لإعادة التأكيد على شراكات «المنفعة المتبادلة» وتقليل الاعتماد على القطبية الواحدة، في ظل تحولات اقتصادية وتوترات تجارية دولية.
ومع ذلك، يبقى الفرق كبيراً بين «إلهام» التجربة و«استنساخها». فالنماذج التنموية لا تنتقل تلقائياً بين سياقات مختلفة سياسياً واجتماعياً ومؤسسياً. لذلك قد يكون التحدي أمام دول الجنوب ليس اختيار الصين أو الغرب، بل بناء سياسة تنويع ذكية تستفيد من الشراكات دون الوقوع في تبعية جديدة - أياً كان مصدرها.
وتربط الورقة بين طموحات الصين الخارجية وبين أولوياتها الداخلية، مشيرة إلى مبادئ مرتبطة بالخطة الخمسية الخامسة عشرة (2026–2030) تركّز على التكنولوجيا المتقدمة، ونمو أكثر متانة، ومعالجة تحديات مثل الشيخوخة والديون المحلية، مع التوازي بين تحفيز الاستهلاك المحلي والانفتاح للحفاظ على تدفقات التجارة والاستثمار. بهذا المعنى، فإن «تصدير النموذج» لا ينفصل عن إدارة التحول الاقتصادي الصيني نفسه. وتقدّم الورقة «الدورتين» لعام 2026 باعتبارهما لحظة لتسويق رؤية صينية للنظام الدولي قوامها التعددية، والتعاون جنوب - جنوب، والحزام والطريق، والمبادرات العالمية الأربعة، تحت مظلة «مجتمع المصير المشترك». وبينما يرى مؤيدو هذا الطرح أنه يمنح الدول النامية أدوات تفاوض وشراكات بديلة، يظل الحكم النهائي مرهوناً بما سينتج على الأرض: هل تتحول الوعود إلى نمو شامل، وتقليص للفجوة التنموية، ومساحة استقلال أكبر للشركاء؟ أم تتعثر تحت ضغط الجغرافيا السياسية وتفاوت المصالح وتعقيدات التمويل؟
**خبيرة في السياسة الصينية، والعلاقات الصينية الإسرائيلية، وباحثة زائرة أولى في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة لوند (السويد). (موديرن ديبلوماسي)