بدر جعفر*

في قلب منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم توتراً، تقف دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً مختلفاً، نموذجاً لا يقوم فقط على الاقتصاد، بل على فكرة أعمق: إن الانفتاح والازدهار ممكنان حتى في أصعب البيئات الجيوسياسية.
وخلال الفترة الأخيرة، تعرّضت الإمارات لهجمات بصواريخ وطائرات مسيّرة أطلقتها إيران، طالت مطارات وموانئ ومباني سكنية وفنادق ومراكز بيانات. وبرغم تأكيد طهران أن أهدافها كانت أصولاً عسكرية أمريكية، فإن طبيعة المواقع المستهدفة تشير إلى أمر مختلف تماماً. ما يتم استهدافه ليس مجرد بنية تحتية، بل فكرة بحد ذاتها: فكرة أن اقتصاداً منفتحاً يمكن أن يزدهر في منطقة مضطربة.
هذه الفكرة لا تهم الإمارات وحدها، بل تمتد أهميتها إلى النظام الاقتصادي العالمي. فالإمارات تستضيف أكثر من 2000 شركة أمريكية، ويقيم فيها نحو 65 ألف مواطن أمريكي. كما تمر عبر موانئها تجارة تتجاوز قيمتها 1.4 تريليون دولار سنوياً، ويُعد ميناء جبل علي أحد أهم شرايين التجارة العالمية.
ورغم أن الهجمات تسببت في خسائر بشرية ومادية، حيث قُتل عدد من الأشخاص وأُصيب العشرات، وتوقفت الأسواق المالية مؤقتاً، كما سارعت بعض الشركات العالمية إلى إجلاء موظفيها، فإن قراءة أعمق للمشهد تكشف أن ما يحدث ليس بداية تراجع، بل اختبار جديد لقدرة الدولة على الصمود.
التاريخ الاقتصادي للإمارات يروي قصة مختلفة تماماً، فمنذ عام 1980، مرّت الدولة بسلسلة من الأزمات الكبرى: من حرب إيران والعراق، إلى غزو الكويت، وانهيار أسعار النفط، والحروب الإقليمية، والأزمة المالية العالمية، وصولاً إلى جائحة كورونا. ومع ذلك، نما الناتج المحلي الإجمالي من نحو 40 مليار دولار إلى أكثر من 500 مليار دولار.
وكل أزمة كانت تصحبها تنبؤات متسرعة ومبالغ فيها، لكن الواقع في الإمارات كان مختلفاً: امتصاص للصدمات، وتكيف سريع، ثم انطلاق أقوى.
هذا الصمود لم يكن مصادفة، بل نتيجة خيارات استراتيجية واضحة. فاليوم، تشكل الأنشطة غير النفطية أكثر من 77% من اقتصاد الدولة، مع نمو اقتصادي بلغ 5.1% في عام 2025. كما وصلت الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى 45.6 مليار دولار في 2024، ما وضع الإمارات ضمن أفضل 10 دول عالمياً. إضافة إلى ذلك، تمتلك صناديقها السيادية أصولاً تُقدّر بنحو تريليوني دولار، أي ما يقارب أربعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي، وهو احتياطي مالي تتمنى معظم حكومات مجموعة السبع امتلاكه.
إن المنتقدين الذين يشككون في مكانة أبوظبي ودبي كمركزين عالميين، يخلطون بين التحديات الأمنية الآنية وبين الديناميكية الاقتصادية والقدرة الهيكلية على الصمود عبر الزمن. فكل مركز دولي كبير مرّ بلحظات ضعف حادة: نيويورك في أحداث 11 سبتمبر، ولندن في هجمات 2005، وباريس في عام 2015. ومع ذلك، لم تتوقف أي منها عن كونها مدناً عالمية. والمهم ليس ما إذا كان المكان يستطيع تجنب كل المخاطر، بل ما إذا كان يمتلك العمق المؤسسي والمرونة في السياسات والتنوع الاقتصادي الذي يسمح له بالتعافي سريعاً. وعلى هذه المقاييس الثلاثة، يعد سجل الإمارات من بين الأقوى عالمياً.
أما البنية التحتية، فهي أحد أعمدة النموذج الاقتصادي، فموانئ الإمارات تتعامل مع أكثر من 20 مليون حاوية سنوياً، وترتبط بأكثر من 180 ميناء حول العالم. ويقع كل من ميناء الفجيرة وخورفكان خارج مضيق هرمز، ما يمنحهما أهمية استراتيجية إضافية. كذلك، يُعد مطار دبي الدولي الأكثر ازدحاماً في العالم للمسافرين الدوليين، مع نحو 95 مليون مسافر في عام 2025. وهذه ليست مجرد مرافق عادية، بل بنية تحتية لا يملك العالم بديلاً سهلاً لها.
لننظر إلى ما يحدث على الأرض اليوم، فقد أعيد فتح أسواق الأسهم. وتعرضت البنية التحتية الحيوية للتهديد لكنها لم تتعطل. كما اعترضت الدفاعات الجوية الإماراتية أكثر من 90% من نحو 1700 طائرة مسيّرة وأكثر من 300 صاروخ باليستي تم رصدها منذ بدء الهجمات. الدولة لم تتوقف، بل استمرت في العمل بكفاءة.
إنها حرب لم تسعَ إليها الإمارات، بل عملت على تجنبها. لكن السؤال الأهم بالنسبة للمستثمرين والشركات العالمية هو: هل تغيّرت أساسيات الاستثمار في هذا البلد؟ الإجابة الواضحة: لا.
فقوة الإمارات لا تكمن في غياب المخاطر، بل في قدرتها المثبتة على إدارتها. اقتصاد متنوع، مؤسسات قوية، سياسات مرنة، وبنية تحتية عالمية، كلها عناصر تجعل من الإمارات مركزاً لا يمكن الاستغناء عنه، ليس فقط في الخليج، بل بين آسيا وإفريقيا وأوروبا.
في السادس من مارس/آذار، زار صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، المصابين من الهجمات في المستشفى. وقال في حديثه لتلفزيون أبوظبي شيئاً يعكس الهوية الأعمق للدولة ونسيجها الاجتماعي الاستثنائي الذي يضم أكثر من 200 جنسية: «الجميع إماراتيون بحبهم لهذه الأرض وإسهاماتهم فيها».
ربما تكون هذه العبارة هي الرد الأبلغ على كل من يرى الدمار فقط، ويتجاهل الأسس العميقة التي يقوم عليها هذا النموذج الفريد لدولة الإمارات.

* الرئيس التنفيذي لشركة الهلال للمشاريع (نقلاً عن «وول ستريت جورنال»)