إعداد: فوّاز الشعّار

لُغتنا العربيةُ، يُسر لا عُسرَ فيها، تتميّز بجمالياتٍ لا حدودَ لها ومفرداتٍ عَذْبةٍ تُخاطب العقلَ والوجدانَ، لتُمتعَ القارئ والمستمعَ، تُحرّك الخيالَ لتحلّقَ بهِ في سَماءِ الفكر المفتوحة على فضاءات مُرصّعةٍ بِدُرَرِ الفِكر والمعرفة. وإيماناً من «الخليج» بدور اللغة العربية الرئيس، في بناء ذائقةٍ ثقافيةٍ رفيعةٍ، نَنْشرُ زاوية أسبوعية تضيءُ على بعضِ أسرارِ لغةِ الضّادِ السّاحِرةِ.

في رحاب أمّ اللغات

من جميل ترحيب الشعراء بالعيد، قول ابن الرومي:

ولمّا انْقضى شَهْرُ الصّيامِ بفَضلِهِ

تجلَّى هِلالُ العيدِ مِنْ جانبِ الغَرْبِ

كحاجبِ شَيْخٍ شابَ من طُولِ عُمْرِه

يُشيرُ لنا بالرَّمْزِ للأكْلِ والشُّرْبِ

وقول ابن المعتز:

أهْلاً بفِطْرٍ قَدْ أضاءَ هِلالُهُ

فالآنَ فاغْدُ على الصِّحابِ وبَكِّرِ

وانْظرْ إليه كَزَوْرقٍ من فِضَّةٍ

قد أثقلتْهُ حُمولةٌ مِنْ عَنْبَرِ

دُرَرُ النّظْمِ والنَّثْر

أبو القاسم الشابي

(بحر الكامل)

يا رَبَّةَ الشِّعْرِ والأَحْلامِ غَنّيني

فَقَدْ سَئمْتُ وُجومَ الكَوْنِ مِنْ حينِ

إنَّ اللَّيالي اللَّواتي ضَمَّختْ كَبِدِي

بالسِّحْرِ أَضْحَتْ مع الأيّامِ تَرْميني

ناخَتْ بِنَفْسي مآسيها وما وَجَدَتْ

قَلْباً عَطوفاً يُسَلِّيها فَعَزّيني

وهَدَّ مِنْ خَلَدي نَوْحٌ تُرَجِّعُهُ

بَلْوى الحَياةِ وأَحْزانُ المَساكينِ

على الحَياةِ أَنا أَبْكي لِشَقْوَتِها

فَمَنْ إِذا مُتُّ يَبْكيها ويَبْكيني

تَبَرَّمَتْ بَيْنيَ الدُّنْيا وأَعوَزَها

في مِعْزَفِ الدَّهْرِ غِرِّيدُ الأَرانينِ

وراحَةُ اللَّيلِ مَلأَى مِنْ مَدامِعِهِ

وغادَةُ الحُبِّ ثَكْلى لا تُغَنِّيني

يا ربَّةَ الشِّعْرِ إنِّي بائسٌ تَعِسٌ

عَدِمْتُ ما أَرْتجي في العالمِ الدُّونِ

وفي يَدَيْكِ مَزاميرٌ يُخالِجُها

وَحْيُ السَّماءِ فهاتيها وغَنِّيني

لولاكِ في هذه الدُّنْيا لما لَمَستْ

أَوتارُ روحِيَ أَصواتَ الأَفانينِ

ولا تَغَنَّيْتُ مأخوذاً ولا عَذُبَتْ

ليَ الحَياةُ لَدى غَضِّ الرَّياحينِ

من أسرار العربية

في ترْتِيبِ البُكَاءِ: إذا تَهَيَّأَ الرّجلُ للبكاءِ: أَجْهَشَ. فإنِ امْتَلأتْ عَيْنُهُ دمُوعاً: اغرَورَقَتْ وتَرقرقَتْ. إذا سالَتْ: دَمَعتْ أو هَمَعتْ. إذا حاكَتْ دمُوعُها المَطَرَ: هَمَتْ. كانَ لِبُكائِهِ صَوْت: نَحبَ ونَشجَ. صاحَ مع بُكائه: أَعْوَلَ، قال أبو العلاء:

وأفرَقُ منْ يَومٍ تُصَمُّ غواتُهُ

فتُعوِلُ إعْوالَ النّساءِ الفواقد

وفي تَرْتيبِ الضَّحِكِ: التَبَسُّمُ: أَوَّلُ مَراتِبِ الضَحِكِ. ثُمَّ الإهْلاس، وهو إخْفاؤُهُ. ثمَّ الافتِرارُ والانكِلالُ: الضَّحِكُ الحَسَنُ. ثُمَ الكَتْكَتَةُ: أَشَدُّ مِنْهُما. ثُمّ القَهقَهةُ. ثُمّ القَرْقَرةُ. ثُمَّ الكَرْكَرةُ. ثُمَّ الاسْتِغْرابُ. ثُمَّ الإِهزاقُ والزَّهْزَقةُ: أَنْ يَذْهَبَ الضَّحِكُ بِهِ كلَّ مَذْهَبٍ.

هفوة وتصويب

يقول بعضهم «دَخَلَ فُلانٌ إلى المَكانِ خِلْسَةً» (بكسر الخاء)، وهي خطأ، والصَّواب «خُلْسَةً» (بضمها). وفي صحيح اللغة: الخَلْسُ: الأَخذ في نُهْزَةٍ ومُخاتلةٍ، خَلَسَه يَخلِسُه خَلْساً. يقال: الفُرْصَةُ خُلْسَةٌ، قال أبو ذُؤيب الهُذَليُّ يَصِفُ شُجاعَيْنِ:

فَتَخالَسا نفسَيْهِما بِنَوافِذٍ

كنَوافِذِ العُبُطِ الّتي لا تُرْقَعُ

أي يُناهِزُ كلُّ منهما قَتْلَ صاحبَه.

وترد كلمة «رقم»، على ألسنة كُثُر، «رَقَم» بفتح القاف، كقولِهم «الغرفةُ ذات الرَّقَمِ...»، وهي خطأ، والصّوابُ «الرَّقْم»، بسكونِ القافِ، ففي المعاجم: الرَّقْمُ والتَّرقيمُ: تَعْجيمُ الكتاب. ورَقَمَ الكتاب يَرْقُمُهُ رَقْماً: أَعجمه وبيَّنه. ومثلها التَّرْقينُ: عَلامةٌ لأهْلِ ديوانِ الخَراجِ، تُجْعَل على الرِّقاعِ والتَّوقيعاتِ والحُسْبانات، لئلاَّ يُتَوَهَّمَ أنه بُيِّضَ كيْ لا يَقَعَ فيه حِسابٌ. ويقال للحاذق في صِناعته: هو يَرْقُم في الماء، قال الشاعر:

سَأرْقُم في الماءِ القَراحِ إليكُمُ

على نَأْيِكُمْ إنْ كانَ في الماءِ راقِمُ

من حكم العرب

واصْفَحْ عَن العَوْراء إِنْ قيلَت وعُدْ

بالحِلْمِ مِنْك على السَّفِيهِ المُعْوِرِ

وكِلِ المُسِيءَ إِلى إساءتِهِ ولا

تَتعَقَّبِ البَاغِي بِبَغْي تُنْصَرِ

البيتان لعبد الملك بن إِدرِيس، يقول إن من رُقيّ السلوك وتميّز الحكمة، تجاوز الإساءات الصادرة عن سفهاء، لأن هذا التجاوز والصفح خاتمته الفوز النفسيّ والأخلاقيّ.