التحذير الذي أطلقه المفوض العام لوكالة «الأونروا» المنتهية ولايته فيليب لازاريني من أن استمرارية الوكالة باتت في مهب الريح، وأنها قد توقف خدماتها قريباً، ربما يمثل صرخة قوية وأخيرة لما سيؤول إليه حال ملايين اللاجئين الفلسطينيين، ناهيك عن الفراغ القانوني والسياسي الذي سيترتب على ذلك.
ما ذهب اليه لازاريني لم يكن ارتجالاً أو شحنة عاطفية بقدر ما ينم عن إدراك عميق لأهمية الدور الذي تلعبه «الأونروا» منذ تأسيسها باعتبارها الشاهد الحي على النكبة الفلسطينية، والجهة المكلفة بتقديم العون للاجئين الفلسطينيين، والإشراف على حقهم في العودة، وما آلت اليه أوضاع الوكالة في اللحظة الرهنة.
أهمية تحذير لازاريني الذي جاء عبر رسالة إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة من خلال رئاستها، باعتبارها صاحبة التفويض الرسمي بتأسيس «الأونروا»، قبل أن يغادر منصبه في نهاية الشهر الحالي، من دون أن يكون متيقناً من أن خليفته سيكون قادراً على انتشال المنظمة الدولية من الهوة العميقة التي تجد نفسها فيها.
وحقيقة الأمر أن لازاريني هو من أكثر الشخصيات الأممية التي توالت على هذا المنصب دراية بتفاصيل الواقع الذي تعيشه الوكالة، خصوصاً بعدما شنت إسرائيل حرباً ضارية عليها، ولم تكتف بقتل المئات من موظفيها إبان الحرب الإسرائيلية على غزة، بل وصمتها بالارهاب، وحرضت كل المجتمع الدولي ضدها بذريعة أن عدداً من موظفيها شاركوا في هجوم 7 أكتوبر، وهو ادعاء لم تثبت صحته، لكنها نجحت في دفع الكثير من الدول إلى قطع التمويل عنها.
وأكثر من ذلك، لم يحدث في تاريخ الأمم المتحدة أن تعرض أي كيان أممي لمثل ما تعرضت له «الأونروا»، ففي أكتوبر 2024 أقر الكنيست الإسرائيلي حظر أنشطة الوكالة ومنع أي تواصل رسمي مع مسؤوليها. وفي يناير/ كانون الثاني من العام الحالي أقدمت السلطات الإسرائيلية على اقتحام مقر «الأونروا» الرئيسي في حي الشيخ جراح بالقدس المحتلة وهدمت معظم مبانيه، وأزالت علم الأمم المتحدة ورفعت العلم الإسرائيلي مكانه، وقطعت الكهرباء والمياه عن المؤسسات والمراكز الطبية التابعة لها، في تحد صارخ للعالم أجمع.
بهذا المعنى كانت الحرب الإسرائيلية التي شنتها على «الأونروا» أشبه بالحرب الوجودية، إذ إنها استهدفت اجتثاث الوكالة الدولية وكل ما يمتّ إليها بصلة، كما حدث في التدمير الشامل لمخيمات شمال الضفة الغربية وتهجير سكانها لقطع كل ما يذكرهم بالنكبة و«الأونروا» وحق العودة.
الغريب في الأمر أن كل هذه الحرب على «الأونروا» لم تلق موقفاً أممياً ودولياً حازماً يسائل إسرائيل أو يشكل موقفاً رادعاً لها، وبالتالي فإن أي غياب لـ«الأونروا» سيحدث فراغاً قانونياً وسياسياً وإنسانياً هائلاً، خصوصاً أن هذا الغياب سيحيل مسؤولية الفلسطينيين إلى الاحتلال الإسرائيلي مباشرة، الذي لا هم له سوى تصفية القضية الفلسطينية، وهو ما قد يؤدي إلى حالة من الفوضي وعدم الاستقرار في المنطقة.

[email protected]