صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
يونس السيد
كاتب
أحدث مقالات يونس السيد
4 يونيو 2026
إسرائيل نحو انتخابات مبكرة

أقر «الكنيست» الإسرائيلي بالقراءة الأولى حل نفسه بأغلبية 106 أصوات من أصل 120 ومن دون أي معارضة، في خطوة تقرب الإسرائيليين من صناديق الاقتراع لحسم الكثير من الخلافات الداخلية المتفاقمة على مدى نحو ثلاث سنوات ونصف من هيمنة الائتلاف اليميني الحاكم.

وعلى الرغم من الحاجة لإنهاء المسار التشريعي من خلال استكمال مشروع القانون بالقراءتين الثانية والثالثة، إلا أن الأمور باتت تسير نحو تبكير موعد الانتخابات التي ينبغي أن تجرى خلال 90 يوماً بمجرد إقرار الموافقة النهائية. ومع ذلك، فإن «حل الكنيست» بحد ذاته كان عنواناً لمعركة داخلية بين مختلف المكونات الإسرائيلية، التي تلتقي جميعاً، ظاهرياً، على هدف «حل الكنيست» وإجراء انتخابات مبكرة، إلا أنها تختلف حول الطريقة لتحقيق ذلك، وحتى على تحديد موعد الانتخابات المقبلة.

ففي الأصل بادرت أحزاب المعارضة بطرح مشروع قانون حل الكنيست بهدف إسقاط حكومة بنيامين نتنياهو، مستغلة الخلافات التي انفجرت داخل الائتلاف الحاكم حول قانون إعفاء «الحرديم» من التجنيد في لحظة فاصلة وحساسة يحتاج فيها الجيش إلى آلاف جنود الاحتياط لتغطية النقص العددي على خلفية الحروب التي يخوضها على عدة جبهات. غير أن الائتلاف الحاكم سارع إلى طرح مشروع حل الكنيست لقطع الطرق على أحزاب المعارضة ومنعها من الظهور بمظهر من ألحق هزيمة سياسية بالائتلاف الحاكم، الذي لا يرغب في الذهاب إلى هذه الانتخابات تحت ضغط المعارضة. ومع أن الفاصل الزمني بين الانتخابات المقررة أصلاً في أكتوبر/تشرين الأول المقبل والانتخابات المبكرة التي ينتظر إجراؤها في سبتمبر/أيلول يعد بالأيام أو بالأسابيع، إلا أنه يحمل أبعاداً ودلالات سياسية كبيرة. إذ إن نتنياهو لا يريد أن تجرى هذه الانتخابات في شهر أكتوبر الذي يتزامن مع هجوم السابع من أكتوبر، وما أفرزه من تداعيات وخلافات سياسية، بين القيادتين السياسية والعسكرية، تتمحور أساساً حول من يتحمل المسؤولية عن هذا الهجوم، والمحاولات المستمرة لمنع تشكيل لجنة تحقيق رسمية في هذا الصدد. ناهيك عن الحسابات السياسية لكل من أحزاب المعارضة والائتلاف الحاكم، والتي أجبرت الجميع على التوجه نحو انتخابات مبكرة، في رهان على تغيير المعدلات القائمة بما يتناسب مع حسابات كل طرف.

غير أن واقع الحال، يبدو أعمق من ذلك بكثير، فما بين انتخابات الكنيست الماضي والكنيست المنتظر الذي سيحمل الرقم 26، جرت مياه كثيرة في بحر الخلافات الإسرائيلية، إن على صعيد حرب الإبادة في غزة وأهدافها وتداعياتها، أو الانقسام الداخلي حول ما يسمى «التعديلات القضائية»، أو الحروب اللاحقة التي شنتها إسرائيل في المنطقة.

المعطيات المتوفرة، في اللحظة الراهنة، لا تمنح أياً من الائتلاف الحاكم أو المعارضة، القدرة على تشكيل حكومة منفردة، وبالتالي فإن الصراع سيظل محتدماً حول تغيير التحالفات أو تحقيق مكاسب سياسية، طالما أن المعركة لم تنته بعد.

[email protected]

1 يونيو 2026
مقاربات «حرية الحركة»

في كل الاتفاقات التي تم التوصل إليها حول وقف إطلاق النار مع إسرائيل، كان هنالك بند خارج النص يُمنح لها غالباً من قبل واشنطن ويتيح لها «حرية التحرك» في مواجهة ما تعتبره «تهديدات» ضدها من دون أن يكون هناك أي رقابة من أي جهة يمكنها التحقق من صحة هذه الادعاءات.

هكذا ظلت إسرائيل تجد نفسها بمنأى عن أي قيود أو التزامات بالاتفاقات المبرمة مهما كانت الجهة الراعية لها، وهكذا تحولت الهدن إلى وقف إطلاق النار من جانب واحد فقط. هذا ما حدث ويحدث على «كل الجبهات» في غزة ولبنان وسوريا وغيرها، ويجعل من إسرائيل فوق كل المقاربات وصاحبة اليد الأولى والأخيرة في تقرير مصير هذه الاتفاقات. بهذا المعنى، تستطيع إسرائيل مواصلة إطلاق النار على كل الجبهات من دون أن يعتبر ذلك خرقاً للاتفاقات، استناداً إلى الحماية الأمريكية والصمت الدولي.

في الحالة الفلسطينية، لم تلتزم إسرائيل لحظة واحدة بوقف إطلاق النار ولا بالاستحقاقات المترتبة على «خطة السلام» الأمريكية والمؤطرة بقرار من مجلس الأمن الدولي، تارة بذريعة «نزع السلاح» وأخرى بوجود تهديدات. فالخروقات الإسرائيلية أصبحت بالآلاف وتجاوز عدد الضحايا الفلسطينيين أكثر من ألف قتيل منذ بدء سريان الهدنة في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ومع ذلك لم تواجه هذه الخروقات بموقف حازم من جانب الوسطاء والراعي الأمريكي على وجه الخصوص. بل على العكس، استمرت إسرائيل في رفع راية التحدي، وبدلاً من تنفيذ كامل استحقاقات المرحلة الأولى من «اتفاق غزة» على صعيد الالتزام بوقف إطلاق النار أو إدخال المساعدات وفتح المعابر، قبل الانتقال للمرحلة الثانية، أصبحت تجاهر علناً بتوسيع سيطرتها على قطاع غزة. وهكذا لم يعد ما يسمى «الخط الأصفر» خطاً مؤقتاً يمهد للانسحاب الإسرائيلي من القطاع، بقدر ما أصبح عنواناً للقتل بذريعة الاقتراب منه، بل تحوّل إلى أداة للقضم التدريجي، وجرى تحريكه لتصبح السيطرة الإسرائيلية على 60% من القطاع بدلاً من نحو 50%، قبل أن يأمر نتنياهو جيشه بالسيطرة على 70%، وسط تهديدات باحتلال القطاع بكامله.

صحيح أن هذه التهديدات ليست جديدة، وأنها على رأس مطالب اليمين الإسرائيلي المتطرف منذ بداية الحرب، والذي لا يزال يصّر على إعادة الاستيطان وتهجير الفلسطينيين، ولكنها لم تقابل بأي مواقف جدية لمنع نسف «الخطة الأمريكية» نفسها، باستثناء تحذيرات فلسطينية خجولة من انهيار الهدنة. غير أن السؤال الجوهري هو، لماذا تغض الإدارة الأمريكية الطرف عن كل هذه الانتهاكات، وهي تدرك أنها تمس جوهر رعايتها للاتفاقات؟ ربما يعود ذلك إلى طبيعة التحالف الاستراتيجي بين الجانبين، أو تقاطع المصالح السياسية، أو ربما يعود إلى حرص الولايات المتحدة على احتواء أي خلافات بينهما وراء الكواليس أو في الغرف المغلقة، إن حسنت النوايا.

[email protected]

28 مايو 2026
مأزق «العمال» البريطاني

لم تكن الهزيمة القاسية التي مني بها حزب العمال البريطاني في الانتخابات المحلية مؤخراً مجرد مناسبة لإظهار الخلافات والانقسامات العميقة بين أجنحة الحزب المتصارعة، بقدر ما أحدثت زلزالاً سياسياً هز المشهد السياسي البريطاني برمته على نحو قد يدخل البلاد في أزمة حكم جديدة.

قبل أقل من عامين، قاد كير ستارمر حزبه إلى السلطة بعدما تمكن من إطاحة هيمنة حزب المحافظين التي استمرت نحو 14 عاماً متواصلة، على خلفية الفساد والفضائح السياسية، والصراع بين أجنحته، علاوة على الأداء الاقتصادي وتداعيات الهجرة التي غرق فيها الأخير، وأدت بالتالي إلى خسارته أهم معاقله الانتخابية في انتخابات مماثلة مهدت جميعاً إلى خسارته السلطة.

وما أشبه اليوم بالبارحة، فالعوامل التي أدت إلى سقوط المحافظين هي ذاتها تقريباً التي يعيشها العماليون اليوم، والتي انفجرت عقب تلك الخسارة المؤلمة على شكل استقالات وتمردات على الحكومة من جانب أقطاب الحزب والنخب السياسية، ومطالبات بتنحي ستارمر عن زعامة الحزب لإفساح المجال أمام قيادات بديلة.

ولكن على الرغم من إصرار ستارمر على البقاء في السلطة، وعدم تمكن منافسيه السياسيين، حتى الآن، من الحصول على دعم كاف من النواب لإرغامه على الاستقالة، فإن الأزمة لا تزال قائمة. وهي تنتظر تبلور التحالفات الجارية بين منافسيه السياسيين، وأبرزهم وزير الصحة المستقيل ويس ستريتينج وعمدة مانشستر الكبرى آندي بورنهام، والذي يحتاج إلى إعادة عضوية في مجلس العموم في انتخابات فرعية مقررة في 18 يونيو/ حزيران، لن تكون سهلة في مواجهة حزب «إصلاح المملكة المتحدة» اليميني بزعامة نايجل فاراج، إضافة إلى نائبة رئيس الوزراء السابقة أنجيلا راينر وربما وزير الخارجية السابق ديفيد لامي وآخرين.

غير أن ما هو أسوأ من ذلك أن الأزمة، وهي الكبرى في المشهد السياسي البريطاني منذ فترة ليز تراس عام 2022، تبدو أعمق من ذلك بكثير، وربما تمتد إلى خلفاء ستارمر في حال إزاحته عن السلطة. ذلك أن البريطانيين سئموا تناوب الحزبين الكبيرين (المحافظون والعمال) على السلطة لعقود طويلة، بكل التداعيات والفضائح والأزمات التي جلبوها للبريطانيين، بينما تظهر على الساحة السياسية بعض الأحزاب والقوى الأخرى التي أصبحت قادرة على المنافسة.

وبالعودة إلى الانتخابات المحلية الأخيرة، فإن صعود أربعة أو خمسة أحزاب بقوة بينها حزب فاراج اليميني، إضافة إلى حزب الخضر والأحزاب القومية إلى قلب المشهد السياسي البريطاني، يشي بأن البريطانيين باتوا بحاجة إلى التغيير، حتى وإن كان البديل المرجح هو اليمين الشعبوي المتطرف، الذي بات يجتاح معظم القارة الأوروبية، وليس بريطانيا وحدها. وبالتالي هل يصل المشهد البريطاني إلى لحظة فارقة وربما درامية يسلم فيها حزب العمال المصنف بأنه يسار وسط، السلطة إلى اليمين المتطرف؟ أم أن الأزمة ستظل قائمة ويبقى المشهد البريطاني مفتوحاً على كل الاحتمالات؟

25 مايو 2026
كوبا في قلب الصراع

التاريخ لا يعيد نفسه، ومع ذلك لا تزال الولايات المتحدة تريد السيطرة على كوبا، أو إسقاط نظامها، باعتباره نظاماً معادياً لها بذريعة ارتباطه بروسيا والصين راهناً، وارتباطه بالاتحاد السوفييتي سابقاً، على الرغم من أن الأمر يأخذ بعداً أكثر عمقاً وشمولية، هذه المرة.

ولكن لا بأس من العودة قليلاً إلى الوراء، فمنذ قبل ما يعرف بأزمة «خليج الخنازير» في عام 1961، كانت الثورة الكوبية، بقيادة فيدل كاسترو، قد نجحت في عام 1959 في إسقاط نظام باتيستا الذي كان يعتبر رمزاً للفساد والتبعية للولايات المتحدة. ما أغضب واشنطن التي جنّدت مئات المعارضين الكوبيين في المنفي لإسقاط نظام كاسترو في المهد، والذي كان قد أصبح حليفاً للاتحاد السوفييتي آنذاك.

وبالفعل، تم تنفيذ ما عرف بإنزال «خليج الخازير» في إبريل/ نيسان 1961، غير أن العملية منيت بالفشل الذريع، وسرعان ما أخذت بعداً دولياً بعد أن نشر الاتحاد السوفييتي صواريخ نووية متوسطة في الجزيرة الكوبية التي لا تبعد سوى نحو 150 كيلومتراً عن السواحل الأمريكية، فيما ردت الولايات المتحدة بنشر صواريخ مماثلة في المقابل، وهددت بغزو الجزيرة في تطور كاد ينذر باندلاع حرب نووية عالمية.

يومها كان هناك نيكيتا خورتشوف وجون كيندي اللذين توصّلا، في نهاية المطاف، إلى تسوية سلمية انتهت بسحب الصواريخ السوفييتية، وتعهّد أمريكي بعدم غزو الجزيرة. لكن منذ ذلك التاريخ أيضاً، فرضت واشنطن حصاراً اقتصادياً على الجزيرة، تم تخفيفه قليلاً في عهد أوباما، وها هي تعود اليوم إلى واجهة الصراع، ليس على خلفية العداء الأيديولوجي والتاريخي بين الجانبين فقط، وإنما لأنها تدخل في صلب العقيدة الأمريكية الجديدة الهادفة لإعادة بسط سيطرتها على ما تعتبره «حديقة خلفية» لها، ورسم خرائط نفوذ جديدة تقضي بفرض هيمنتها على الأمريكتين، ونصف الكرة الغربي.

من هنا، يمكن النظر إلى محاولات السيطرة على قناة بنما، وجزيرة غرينلاند، وضم كندا، ثم السيطرة على فنزويلا واقتياد رئيسها، نيكولاس مادورو، سجيناً إلى الولايات المتحدة، على أنها جزء من الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، القائمة على إسقاط ما تعتبره أنظمة معادية في القارة اللاتينية، وتنصيب أنظمة موالية لها، للاستيلاء على ثرواتها أولاً، وفكّ ارتباط دول القارة مع منافسيها الكبيرين، روسيا والصين.

في هذا السياق، شدّدت الولايات المتحدة حصارها الإقتصادي والعسكري على كوبا، إلى الحد الذي بات يخنق سكان الجزيرة، ويرقى إلى مستوى العقاب الجماعي، حيث انقطاع الكهرباء بشكل شبه متواصل، وإغلاق المدارس والجامعات في بعض أنحاء البلاد، بسبب ندرة المحروقات، في تناقض صارخ مع كل الأعراف والقوانين الدولية. ومع ذلك، لا يبدو أن كوبا من النوع الذي يقبل الاستسلام، إذ حذرت من أن أيّ محاولة لغزو الجزيرة ستؤدي إلى بحور من الدماء، وسيكون لها تداعيات خطرة على المستوى الدولي.

[email protected]

21 مايو 2026
لبنان بين الهُدن والتمديد

من نافلة القول أن الهُدن اللبنانية التي تم تمديدها مرتين في مفاوضات واشنطن، فشلت في تحقيق وقف حقيقي لإطلاق النار لاعتبارات أعمق كثيراً مما يقال، ربما تتعلق بعدم قدرة إسرائيل على الحسم العسكري في الميدان أولاً، وثانياً عدم الرغبة في الانسحاب من المناطق التي احتلتها في جنوب لبنان، من دون ثمن سياسي.

بين هذا وذاك، يبدو أن الطرفين، اللبناني والإسرائيلي، قد دخلا في مأزق حقيقي، فإسرائيل مع سعيها إلى عدم الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة يصعب تحمّلها رغم فائض القوة الذي تمتلكه قواتها، لم تنجح سوى في عمليات قتل وتهجير ودمار هائل ولم تتمكن من إحداث أي تغيير جذري في الواقع الميداني. بل على العكس، تحوّل هذا العامل إلى نقطة خلافية بين القيادة السياسية التي تطالب الجيش بإحداث اختراق جدّي يفضي إلى تحقيق أهداف الحرب، وفق ما تعهدت به مقدماً، وبين المؤسسة العسكرية التي ترى استحالة تحقيق هذا الهدف من دون إحداث اختراق سياسي.

وربما يكون هذا هو السبب الذي يقف وراء انعقاد مفاوضات واشنطن، التي في ضوئها يتم تمديد وقف إطلاق النار، الذي لم يتوقف أصلاً، على الرغم من القيود التي فرضتها واشنطن بشأن تحييد بيروت والبقاع شرقي البلاد. وفي كل الأحوال، ليست الاستثناءات وحدها، ولا مسيّرات «حزب الله» التي تحولت إلى معضلة إسرائيلية حقيقية، هي من يحول دون التوصل إلى وقف إطلاق نار حقيقي، يفضي إلى تفاهمات حول تسوية سياسية مقبولة لدى الطرفين.

فالدولة اللبنانية، حدّدت أهدافها التفاوضية في وقف إطلاق النار، وانسحاب الجيش الإسرائيلي إلى الحدود الدولية، وإطلاق سراح الأسرى، والبدء بإعادة الإعمار، وإعادة المهجرين إلى بلداتهم وقراهم، مقابل التوصل إلى اتفاق سلام. لكن الموقف اللبناني لا يزال يفتقر إلى رؤية وطنية موحدة، وإلى ضمانات دولية، إذ إن الضمانات الأمريكية وحدها تبدو غير كافية، في ظل المعادلات اللبنانية الطائفية، والانقسام القائم حول المسار التفاوضي برمّته. وعلى الجانب الآخر، هناك رفض إسرائيلي لقيام أي معادلات جديدة تكبّل يديها تجاه حرية التحرك ضد ما تعتبره تهديدات في أيّ وقت، فضلاً عن أن هناك قوى يمينية إسرائيلية متطرفة تدفع باتجاه إدامة احتلال جنوب لبنان والاستيطان فيه. لكن ذلك كله لا يزال رهناً بظروف الميدان، والقدرة على الحسم، وبالتالي، فإن المقاربة تقضي بصعوبة الحصول بالدبلوماسية على ما لم يتم أخذه في الميدان. ما يعني عودة الأمور إلى المربع الأول، وتوظيف عوامل الضغط نحو إسناد مهمة نزع السلاح إلى الجيش اللبناني، وهي مقاربة خطرة، إن لم تحظ بإجماع وطني داخلي، لأن البديل لذلك هو كارثة وطنية قوامها الفتنة والإقتتال الداخلي، وعودة الحرب الأهلية، فضلاً عن إمكانية أن يكون الجيش نفسه ضحية لها.

[email protected]

18 مايو 2026
78 عاماً والنكبة مستمرة

بعد مرور 78 عاماً على النكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني مع قيام إسرائيل عام 1948، واحتلال نحو 85 في المئة من أراضي فلسطين التاريخية، وتشريد مئات الآلاف إلى الدول العربية المجاورة والشتات، لا تزال النكبة حاضرة في الذاكرة الجمعية الفلسطينية، ولا يزال حلم العودة يداعب مخيلة هؤلاء اللاجئين على الرغم من قسوة الظروف التي يعيشونها.

ما بين عامي 1948 و2026، جرت مياه كثيرة في نهر الأحداث، واندلعت حروب متعددة، سالت خلالها بحور من الدماء، كان آخرها حرب الإبادة التي شهدها قطاع غزة وهي لا تزال مستمرة. كما شهدت اندلاع ثورة فلسطينية أفضت في النهاية إلى «سلطة» ترزح تحت نير الاحتلال، من دون أن تتمكن من تطوير نفسها إلى دولة فلسطينية، على الرغم من اعتراف أغلبية دول العالم بها، كما أفضت إلى انقسام وتشرذم فلسطيني هبط بالقضية الفلسطينية إلى أضعف مراحلها.

استفاق الفلسطينيون في ذكرى النكبة، هذا العام، على واقع أكثر قسوة وإيلاماً، مع سقوط عشرات آلاف الضحايا في حرب الإبادة المستمرة في قطاع غزة، وتدمير لم ير له العالم مثيلاً من قبل، مع تحويل أكثر من مليوني فلسطيني إضافي إلى نازحين.

أما في الضفة الغربية، فلا يقل الأمر خطورة مع تسريع وتائر الاستيطان، وتصاعد إجراءات الاحتلال الهادفة لابتلاع معظم الأراضي الفلسطينية عبر «التشريعات» والأوامر العسكرية وسياسات المصادرة والهدم والتهجير، كما حدث في مخيمات شمال الضفة، تمهيداً لفرض الضم الفعلي في تحد صريح للمجتمع الدولي والقوانين الدولية. والأسوأ هو إطلاق يد المستوطنين في استباحة الضفة الغربية، بعد تسليحهم، عبر إحراق منازل الفلسطينيين وممتلكاتهم، ومصادرة أراضيهم وسرقة مواشيهم، والاعتداء على التجمعات البدوية وتهجيرها، وصولاً إلى حد قتل عشرات الفلسطينيين من دون أي مساءلة.

هذا الواقع يضاف إلى تضييق الخناق على الفلسطينيين وحشرهم في مناطق معزولة، عبر نحو ألف حاجز وبوابة عسكرية منتشرة في أنحاء الضفة الغربية، ناهيك عن الاعتداءات المتواصلة على الأماكن والمقدسات الدينية والاقتحامات اليومية للمسجد الأقصى بهدف فرض واقع جديد يفضي إلى تقسيم مكاني وزماني على غرار ما حدث في الحرم الإبراهيمي في الخليل.

وغني عن القول إن الهدف النهائي من وراء كل هذه السياسات والممارسات هو دفع الفلسطينيين إلى التخلي عن أرضهم ووطنهم وطردهم إلى المنافي القريبة والبعيدة.

ورغم هذا الواقع المأساوي، الذي يزداد سوءاً مع تراجع فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع، خصوصاً في ظل التوتر والتطورات الناشئة في المنطقة، إلا أن الفلسطينيين لا يزالون يتمسكون بحقهم في العودة، باعتباره حقاً لا يسقط بالتقادم، بينما تلوح بارقة أمل مهمة، هي أن القضية الفلسطينية قفزت إلى صدارة الضمير العالمي، وتمكنت من إسقاط سردية إسرائيلية هيمنت على العالم لعقود طويلة، بانتظار العودة للنهوض من جديد.

[email protected]