يسرا عادل

في السياسة، لا تبدأ التحولات الكبرى بصوت المدافع، بل أحياناً بقرار إداري يبدو صغيراً، كأن ترفع مؤسسة عسكرية عريقة سن التجنيد إلى 42 عاماً، أو تُخفف القيود على من لديهم مخالفة مرتبطة بالماريغوانا. هكذا فعل الجيش الأمريكي أخيراً، في محاولة لتوسيع قاعدة المتقدمين ومعالجة أزمة التجنيد التي أثقلت المؤسسة في السنوات الماضية. لكن السؤال الحقيقي لا يبدأ مِن: مَن سُمح له بالدخول؟ بل من: «إلى أي جيش يُطلب منه أن يدخل؟».
فالجيش لا يُقاس بعدد من يلبسون بزته، بل أيضاً بالروح التي تُلبِسهم إياها.
في عهد الوزير بيت هيغسيث، لا يبدو البنتاغون مجرد مؤسسة تبحث عن مزيد من المجندين، بل مؤسسة تعيد كتابة تعريفها لنفسها. شيء ما تغير في الممرات الرمادية التي كانت تُقدم طويلاً بوصفها قلب الدولة الصلب.
في مايو/ أيار 2025، استضاف البنتاغون صلاة مسيحية إنجيلية برعاية وزير الدفاع أو «وزير الحرب» وتحولت الصلاة إلى خدمة شهرية منتظمة داخل المؤسسة. الغرابة في ذلك أن المؤسسات الفيدرالية الأمريكية لا دين لها، وعقيدتها هي القانون. وانتقال المؤسسة العسكرية من صبغة قانونية إلى لاهوتية يضع سؤالاً حول هوية البنتاغون في العصر الحديث، مع العلم أن الصلاة لم تقص الديانات الأخرى فقط بل شمل الإقصاء أطياف المسيحية الأخرى.
ثم جاء ما هو أبعد من الصلاة، وأكثر برودة من الوعظ، لكنه لا يقل إيديولوجية عنه: نزع الشرعية عن بعض الجامعات الأمريكية العريقة. فحين قرر البنتاغون وقف إرسال ضباطه إلى مؤسسات من طراز هارفرد، ييل، كولومبيا وغيرها، بحجة أنها أصبحت «معادية لأمريكا»، لم يكن القرار مجرد خلاف على مناهج أو مناخات طلابية، بل إعلان عن شيء أعمق: أن المؤسسة العسكرية لم تعد تكتفي بتدريب الجسد، بل تريد أيضاً أن تنتقي العقل الذي يحق له أن يرافقه.
هنا لم يعد الجيش على خصومة مع خصوم الخارج فقط، بل بدا وكأنه دخل في عداء مع بعض أبرز مؤسسات الفخر الأكاديمي الأمريكي، تلك التي كانت لعقود جزءاً من رواية القوة الناعمة الأمريكية نفسها.
هنا يصبح فهم الحرب على DEI أكثر وضوحاً. وDEI هو اختصار ل Diversity، Equity، Inclusion، أي: التنوع، والإنصاف، والشمول. وهو ليس شعاراً رمزياً، بل إطار إداري واستراتيجي للجيش الأمريكي، يهدف إلى التنوع، والعدالة، والشمول داخل المؤسسة العسكرية. القرارات الأخيرة علقت وأعادت تقييم البرامج، ما أعطى الانطباع بأن الجيش بات يعيد تعريف الجدارة بعيداً عن المعايير التعددية. فتحت شعار «استعادة الجدارة» و«العودة إلى الأساسيات»، جرى تفكيك DEI، وتقديمه كعبء.
وحين يُختزل التنوع إلى تهمة، تصبح «الجدارة» اسماً مهذباً للحنين إلى صورة قديمة عن القوة. هذا ما بدا واضحاً أيضاً في مراجعات اللياقة والمظهر والوزن والانضباط الجسدي التي فرضها هيغسيث على المؤسسة، وفي المشهد الذي خرج من قاعدة مشاة البحرية في كوانتيكو بأكتوبر/ تشرين الأول الماضي كان الجيش لا يعيد فقط قياس أوزان أفراده، بل يعيد قياس شكل الجندي المقبول رمزياً. فاللياقة هنا ليست مجرد جاهزية، بل لغة سياسية. والبدن العسكري لا يُقرأ فقط بوصفه أداة قتال، بل بوصفه نصاً إيديولوجياً يُراد له أن يقول: هذا هو الجندي الحقيقي، وهذه هي الهيئة التي يجب أن تبدو عليها الدولة حين تحمل السلاح.
ليست المشكلة في الانضباط بحد ذاته، فالجيوش لا تقوم على التسيب. المشكلة في أن الانضباط هنا لم يُقدَّم كمعيار مهني مجرد، بل كجزء من مشروع ثقافي يريد إعادة المؤسسة إلى نموذج أكثر ذكورية، وأكثر صرامة رمزية، وأقل تسامحاً مع الاختلاف الذي لا ينسجم مع صورة «المحارب» كما يحبها هذا العهد.
وهنا نصل إلى جوهر القصة، لا هامشها، فحين تجتمع: الصلاة الشهرية ذات اللون الواحد، والعداء لجامعات بعينها، والحرب على التنوع، وإعادة تشكيل الجسد العسكري بوصفه رمزاً إيديولوجياً، فإننا لا نكون أمام سلسلة قرارات متناثرة، بل أمام هندسة جديدة للجيش الأمريكي. جيش أقل تعددية، أكثر وضوحاً في هويته المحافظة، وأكثر ميلاً لأن يعكس مزاج الإدارة لا مجرد عقيدة الدولة.
ومن هنا فقط يصبح القرار الأخير مفهوماً في تناقضه الظاهري: كيف يمكن لمؤسسة تُقصي وتَفرز وتُشدد، أن تعود في اللحظة نفسها لتفتح الباب على اتساعه نسبياً؟
الجواب: ليس لأنها أكثر شمولاً، بل لأنها بعد أن أعادت تعريف روح الجيش، تحتاج الآن إلى مزيد ممن يمكن حشرهم داخل هذا القالب.
وهكذا، لا يبدو السؤال الحقيقي اليوم: هل صار الجيش الأمريكي أكثر انفتاحاً؟ بل: هل يُعاد بناؤه ليكون أكثر قابلية للتعبئة... أم أكثر قابلية للولاء؟
ففي بعض الأزمنة، لا تعيد الدول فقط تسليح جيوشها، بل تعيد تصميم روحها. والسؤال المشروع: هل يُعاد بناء الجيش الأمريكي ليكون حارساً للوطن؟ أم حارساً لإيديولوجيا من يحكمه؟

[email protected]