نشرت صحيفة «اللوموند» الفرنسية ملفاً خاصاً تحت عنوان «الكتّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط» شارك فيه الروائي والقاص الكويتي طالب الرفاعي، والروائي اللبناني شريف مجدلاني، والكاتبة الفرنسية من أصل إيراني ليلى أعظم زنكنة، والكاتبة الإيرانية آذر نفيسي، وغاب عن الملف كتّاب وشعراء وروائيون عرب كبار في وزن أدونيس، وأحمد عبدالمعطي حجازي، وإبراهيم الكُوني، على سبيل المثال لا الحصر، غير أنه لا ندري فيما إذا كانت الصحيفة استطلعت آراءهم أم لا.
وفي الحالتين، يقودنا ملف «اللوموند» إلى سؤال حيوي جوهري يطرح استفهاماته اليوم في الأفق الثقافي العربي، وهو: أين الكتّاب العرب جميعاً من المنطقة المغاربية العربية وحتى الخليج العربي، وعلى اختلاف مواقعهم الأدبية وتوجهاتهم الفكرية والأيديولوجية، من سؤال الحرب الإيرانية على دول الخليج العربي، وبعض الدول العربية؟ وهو سؤال ثقافي أولاً وأخيراً بعيداً عن تداعياته السياسية التي تستدعيها مثل هذه الاستفهامات المواكبة لمسار التحوّلات العميقة الدولية والإقليمية جرّاء الحرب.
عربياً، تبدو الصحافة الثقافية كما لو أنها باردة أو حتى لامبالية في تعاطيها مع الحرب من خلال استنطاق نخب مثقفة عربية يتوجب عليها أخلاقياً وفكرياً أن تتكلم وتفصح بوضوح عن خطاباتها الثقافية اليوم والآن من زوايا الرؤية والتحليل الفكري والرأي الفكري لا الرأي السياسي المتروك أصلاً، وعلى نحو مكشوف للعشرات بل المئات ممّن يطلق عليهم «ظاهرة المحلل السياسي»، وكل محلل من هؤلاء يغنّي على ليلاه، وتبعاً لأهوائه الأيديولوجية التي هي في الأساس أهواء سياسية.
الإجابات المنطقية والتي يفترض أن تكون منتظرة اليوم من جانب المثقفين العرب هي إجابات مصير أمّة بأكملها لها تاريخ وجغرافيا، وتقع في عين العاصفة الراهنة، كما يقولون، في حين أن أي تجاهل أو لامبالاة تجاه هذه العاصفة هو خيانة لضمير المثقف نفسه، بل هو نوع من الانسحاب الثقافي إلى موقف الصمت، وهو موقف لا يليق بأدوار المثقفين ولحظتهم التاريخية، تلك الأدوار واللحظات المفصلية التي طالما تحدّثوا عنها بحماسة لغوية نعرفها جيداً في الخطاب الثقافي العربي، وبخاصة خطاب ما يُسمّى اليسار، أو غيره من الكيانات الثقافية والفكرية.
ليس مطلوباً من المثقف العربي اليوم موقف الاصطفاف ومنطق «الفزعة»، بل المطلوب منه الرؤية، والتحليل والإجابة عن سؤال المصير الوجودي الذي تفرضه ثقافة الحرب، وهو على أي حال المصير الوجودي للمثقفين العرب أنفسهم.
أكتب رأيي هذا وأنا على يقين تام بضرورة فصل السياسي عن الثقافي، وهو يقين الكثير من المثقفين العرب الذين ينأون بأنفسهم عمّا يسمّونه «مستنقع السياسة»، غير أن الأمر مختلف اليوم في حالتنا العربية الوجودية، وهي حالة حرب، وتأتي السياسة تفصيلة أو مجرد تفصيلة في هذه الحالة الكارثية وتداعياتها المستقبلية.
موقف الصمت الثقافي من جانب النخب الكبيرة والمؤثرة في الوطن العربي هو إدارة الظهر لسؤال المصير، والوجود، والهوية في زمن الحرب بامتياز.
«اللوموند» وسؤال المواجهة الثقافية للحرب
30 مارس 2026 00:08 صباحًا
|
آخر تحديث:
30 مارس 00:08 2026
شارك