تشبه العلاقة بين الفن التشكيلي والموروث الشعبي العلاقة بين العين والذاكرة، ومن خلال الأعمال التشكيلية يعيد الفنان صياغة الرموز والعادات والتقاليد بأسلوب بصري محدث، تتجلّى فيه عناصر من البيئة المحلية كاللباس والألوان والأدوات والحرف الشعبية، لتتحول إلى لغة تعبّر عن هوية المجتمع وذاكرته.
أمامنا لوحة للفنانة عبير الشيباني، تمزج فيها بين التراث الإماراتي بالرمزية الفنية، لتحول لنا مشهد الصيد البسيط إلى سؤال عميق عن علاقة الإنسان بالعالم، ومن خلال استخدام اللون والضوء، تنجح الفنانة في تحويل المشهد البحري إلى لوحة في جوهرها مرآة للإنسان وهو يحاول أن يلتقط معنى حياته بشبكة، فكان البحر المفتوح خلفية جعلت من الإنسان شريكاً في حكاية الطبيعة.

رؤية


يتبدى لنا البحر في هذه اللوحة فاتحاً ذراعيه لذاكرة عميقة من الحكايات والأصوات، وفي قلب هذا الامتداد يقف الصياد على قارب خشبي صغير، يرفع شبكة الصيد كأنها جناح من الحرية، أو دعاء معلّق بين السماء والماء، ومن هنا تبدأ الحكاية في العمل في اللحظة التي تجمع بين الامتداد والانعتاق.
تعتمد عبير الشيباني في بنائها التشكيلي على محور إنساني هو جسد الصياد، يقابله امتداد أفقي لا نهائي يمثله البحر، فتنشأ لدى المتأمل طاقة تأملية تمنح اللوحة بعدها الحركي والروحي، فيبدو لنا القارب صغيراً وبسيطاً، لكنه ثابت في وسط هذا الأفق الممتد، فيما تنبسط الشبكة بتلقائية، كأنها تتحول إلى جناح أو عباءة من هواء، يلقي بها صياد بجسد مائل قليلاً في توازن رقيق بين غموض وحشة البحر وإرادة الإنسان في السعي للرزق، لنلاحظ هنا أن الشبكة تحرك عين المشاهد داخل فضاء اللوحة بحركة دائرية ناعمة، أشبه بتموجات الضوء على سطح الماء.
تستند الفنانة إلى تدرجات الغروب لتبني فلسفتها اللونية، واستخدمت ألوان البنفسجي والوردي في السماء، والبرتقالي الذهبي عند الأفق، والأزرق البنفسجي في الماء، وهذه الألوان لا تنتمي إلى الواقع بقدر ما تنتمي إلى المخيلة الفنية والذاكرة، فهي ألوان الحنين والانفعال، وضعت الفنانة في حس انطباعي يرى في هذا التمازج اللوني ترجمة لأحاسيس الإنسان المتراكمة، لذا نلاحظ كيف جعلت الضوء في اللوحة غير مسلّط على شخصية الصياد لتجعله يذوب في المشهد، حتى يكاد الإنسان يصبح جزءاً من الطبيعة، وكأن البحر يعيد الإنسان إلى أصله الأول، إلى رحم من ماء ولون وتأمل.

رمزية


على الرغم من أن المشهد يستعير من عالم الصيد رموزه الأولية، فإن اللوحة تتجاوز هذا الظاهر إلى أفق رمزي أوسع، تحولت فيه الشبكة إلى رمز للسعي وراء الحلم، وللإنسان الباحث عن رزقه، وعن معناه وخلاصه الشخصي، أما القارب، فيمكن أن نعتبره استعارة للهشاشة والمصير، ويمكن قراءة المشهد الفني كله كمحاولة لتفسير شيء غير مرئي، ربما عن الحياة ذاتها، وهي تنفلت من بين خيوط الشبكة، وعن الرحلة التي يخوضها الإنسان في مواجهة المجهول.
تنتمي هذه اللوحة إلى سياق الفن الإماراتي الذي يرى في البحر ذاكرة جمعية وهوية مستمرة، فالبحر في الثقافة المحلية مصدر رزق، وفضاء للمخاطرة والاكتشاف، وأرشيف لحكايات الصيادين التي تروى وتتناقل.
تستلهم عبير الشيباني هذا الإرث، لكنها تعيد صياغته برؤية معاصرة، تعيد تصوير الرمز التراثي من منظور اجتماعي وجمالي جديد، يحيل إلى الفكرة لا إلى المهنة، وهذا أسلوب يعبر عن وعي فني يرى أن اللوحة رسالة ثقافية قبل أن تكون جمالاً بصرياً، وأن الفن مجرى تتدفق فيه الذاكرة، لا إطار يجمدها.

إضاءة


عبير الشيباني، فنانة إماراتية معاصرة برزت في المشهد المحلي بوصفها من المواهب التشكيلية التي توظّف الموروث الإماراتي برؤية واقعية تميل إلى اللمسات التعبيرية، تستقي موضوعاتها من البيئة الإماراتية والذاكرة الشعبية، فتركز على المرأة الإماراتية، والنخيل، والخيل، والجِمال، والعناصر التراثية المعمارية، في محاولة لحفظ هوية المكان.