برع الفنانون الإماراتيون في ارتياد أنواع مختلفة من الفنون التي تمزج بين أنواع مختلفة من الموضوعات التراثية والمعاصرة، ومن بين التجارب المهمة التي يمكن التوقف عندها واحدة للفنانة الإماراتية فاطمة الحمادي التي دمجت فيها بين حرفية اختيار اللون وتجريد الحرف العربي.

في هذه اللوحة التي أمامنا، نتوقف عند لوحة تجريدية تجمع بين اللون والحرف في تكوين بصري لافت، حيث اعتمدت الفنانة مبدأ تجريد الحرف من خلال تلك الانحناءات المتداخلة لمجموعة من الحروف التي تعطي إحساساً بالديمومة والاستمرارية، فثمة شريط حروفي في أسفل اللوحة باللون الأبيض يوازيه شريط حروفي فوقه، وكلا الشريطين صمم على شكل موجات منحنية تقود عين المشاهد نحو العمل، الذي زينته الفنانة فاطمة الحمادي بتدرجات لونية قوية من الأحمر والبرتقالي والأزرق والبنفسجي، الأمر الذي يخلق تبايناً بصرياً جاذباً ودينامياً.
ومن جهة ثانية، فقد برعت الفنانة في تشكيل الحرف على نحو زخرفي، وهذا يظهر القوة البصرية للحرف، الذي استخدم هنا كعنصر جمالي.
واللافت في اللوحة أيضاً، ما نشاهده من تداخل الحروف مع الأشكال والكتل اللونية، هنا، تصبح الحروف جزءاً من التكوين التشكيلي، عوضاً عن كونها مجرد حروف تستخدم للكتابة فقط، كما كان تصميم الحروف المنحنية باللون الأبيض قد ساهم في بروزها فوق الخلفية الملونة، لتتكامل عناصر الإبهار في اللوحة بين التجريد واللون وكافة المكونات الفنية في اللوحة.
عناصر
ما يميز هذه اللوحة أيضاً، هو تلك العناصر الهندسية التي جاءت على شكل مربعات صغيرة في الأسفل والأعلى، وهذا كسر رتابة الشكل ومنح اللوحة توازناً بصرياً تكامل مع تلك التدرجات اللونية المريحة لمختلف الألوان والأشكال على سطح اللوحة، وكأننا أمام دلالات ورموز لونية وحروفية موحية تعبر في نهاية المطاف عن تلك القوة الكامنة لكل من الحرف واللون، في لوحة مريحة بصرياً رغم كثافة الأشكال والألوان وتلك الحركة المتموجة في اليمين واليسار ومن أعلى إلى أسفل مما عزز من شعرية الحرف واللون معاً وأكسب اللوحة قوة في الدلالة والإيحاء.
توسط اللوحة حرف الحاء بحجم كبير، وهذا الحرف له علاقة بتكوين اللوحة، الحاء هنا، اندمجت مع الخطوط الدائرية في اللوحة وهذا عزز من الدلالة البصرية للحرف الذي يظهر كعنصر لغوي يمكن قراءته ويحمل دلالات عميقة، كالدلالة الشكلية فهو حرف يتميز بانحنائه واستدارته وهذا يعطي إحساساً بالاحتواء والاحتضان، وهو شكل قريب من الدائرة ما يرمز إلى الاستمرارية، وهناك دلالة رمزية فيمكن أن يرمز هذا الحرف هنا، إلى الحياة، وكذلك الحب والحنان أو ذلك الهدوء الداخلي، وقد عزز رسمه باللون الأبيض في اللوحة مركزيته كعنصر جاذب داخل هذا الفضاء اللوني الآسر.
كما أن الحاء في اللوحة، قد رسمت هنا، بقصد إبراز هذا الحرف ليكون جزءاً مهماً من التكوين الفني، وجزءاً من الإيقاع العام للوحة.
من يدقق في اللوحة، يستطيع أن يتنقل بسهولة بين دهشة اللون وإيقاع الحرف، وهندسة الشكل ضمن إيقاعية بصرية تشبه الموسيقى، وكأن اللوحة بمثابة سيمفونية تعزف وليس مجرد لوحة مصممة فقط لتشاهد، وهذا كله أسهم في تكوين منظور فني دمج بين الحرف واللون والشكل في تصميم بصري حقق الوحدة والانسجام بين كافة العناصر، وكأننا أمام تدفق مواز يعبر عن المشاعر الداخلية للإنسان.
إضاءة

فاطمة الحمادي تشكيلية إماراتية، حاصلة على بكالوريوس التربية الفنية، وهي صاحبة خبرة في حقل الفنون الجميلة، قامت بتأليف مناهج الفنون البصرية في وزارة التربية والتعليم في الإمارات، مارست فنون الخط العربي وربطته بالفنون التشكيلية.
شاركت الحمادي في أكثر من 50 معرضاً فنياً محلياً، بينها: معرض مؤسسة العويس الثقافية مع مجموعة من كبار الفنانين العرب، ومعارض عالمية في لندن وبرلين وليتوانيا. وهي أيضاً رئيس فريق فناني جرافيتي الإمارات.