في الرواية الوحيدة للشاعر التركي ناظمت حكمت وهي بعنوان «الدم لا يتكلم» تتابع شخصيتين شعبيتين، هما قوام الرواية إضافة إلى أبطالها الآخرين: الأستاذ جمال، اليساري المثقف قارئ الكتب، والأُسطى نوري، الإنسان البسيط الذي ينمو وعيه الثقافي والإنساني في بيئة اجتماعية قليلة القرّاء، لا بل، أغلب هذه البيئة من الأميّين، وهم أمّيو الكتابة والقراءة، وليسوا أمّيّي الذوق البشري والطيبة والخلق الإنساني الجميل.
في الرواية نقرأ هذا المقطع حول القراءة.. بل حول القراءة والوقت والجوع.. تلك الفلسفة الشعبية التي يضعها عادة ذلك العقل الشعبي الأُمّي: «ليس أن تقرأ كلما وجدت وقت فراغ من العمل، ولكن عليك أن تعمل كلّما وجدت فراغاً من القراءة، لماذا تضحك؟.. لعلّك تحدّث نفسك قائلاً: ماذا سنأكل، إذاً، أنا، وأمّي؟. هذا صواب، وإذا كان حق خيول المسابقات أن يجري إعدادها طوال ثلاثمئة وأربعة وثلاثين يوماً من أجل يوم واحد هو يوم السباق لتنطلق فيه بأقصى سرعة، فهكذا، أيضاً القراءة بأقصى سرعة».
وفي مكان آخر من الرواية نقرأ هذا الحوار بين الأُسطى وأستاذه: (حسناً يا أستاذي، ولكن أَلَسْتَ القائل: اقرأ الكتب. ارتبط بالكتب. إن ما بعقلي أياً ما كان.. أَلَمْ أتعلمه منك؟، ألم أتعلم من الكتب؟).
أذكر، حين عدت ظهيرة ذات يوم حين كنت في الصف الرابع الابتدائي إلى بيتنا، وقد تسلمت الكتب لذلك العام الدراسي، وقد عاد أبي من كسّارة الحجارة في المساء، فأخذ رحمة الله عليه يتأمل كتبي المدرسية الجديدة، وقد عَلَتْ وجهه ابتسامة أبوية فخورة، وبعد دقائق من تصفحه الكتب هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، قال: إنني أرى كتبك هذا العام وقد خَلَت من الرسوم ومن الصور؟.. قلت له نعم، تكون صور الكتب عادة للصف الأول والثاني، ابتسم والدي مرة ثانية، وعاد إلى تقليب الصفحات.
لا أنسى ما حييت ذلك الموقف الذي فهمت منه أن أبي قد عرف أن الكتب حين تخلو من الصور، فمعنى ذلك أن ابنه أصبح قارئاً.. لقد كبر ابنه أمام عينيه، وبوسعه الآن أن يقرأ لنفسه ولأبيه ولأمّه، لقد كانت القراءة بعد ذلك الصف الثالث الابتدائي دخولاً إلى نوع من الرجولة، فها قد كبر الولد، وصار يقرأ..
في بعض القرى، أيضاً، كنّا نسمع عن ولائم يقيمها المختار لأبناء القرية الذين يختمون القرآن، كانت تسمى (الختمة)، ويعني ذلك، ضمنياً، أن هؤلاء الأولاد، أصبحوا رجالاً.. ويمكن الاعتماد عليهم في فك الحرف.
كان أبي يفك الحرف، ولكن ببطء وشغف، وحين كان يكتب اسمه (احمد) بقلم الرصاص، كان يركزّ ويبتسم، ولقد تعلّمتُ من أبي الأُمّي أكثر مما تعلّمت من الكتب.
[email protected]