د. عبدالله بلحيف النعيمي
في لحظات التحوّل الكبرى، حين تتبدّل خرائط القوة وتُعاد صياغة موازين الإقليم، يجد المثقف العربي نفسه أمام مسؤولية مضاعفة: مسؤولية قراءة المشهد بعمق، وتجاوز الضجيج الآني، والبحث عن جذور العلاقة قبل فروعها، وعن مسارات المستقبل قبل أن تتضح معالمه. ولعلّ العلاقة الخليجية-الإيرانية، بعد الحرب التي عصفت بالمنطقة، تمثل أحد أهم الملفات التي تحتاج إلى قراءة هادئة، لا تنجرّ إلى الانفعال، ولا تستسلم لسطحية التحليل.
فالعلاقة بين الخليج وإيران ليست علاقة طارئة، ولا هي وليدة لحظة سياسية عابرة. إنها علاقة صنعتها الجغرافيا قبل السياسة، وشكّلتها المصالح قبل الشعارات، وأثقلتها التوترات قبل أن تُخفّفها محاولات التهدئة. ومن هنا، فإن النظر إلى مستقبلها يتطلب فهماً دقيقاً لماضيها، وإدراكاً واعياً لما أفرزته الحرب من حقائق جديدة.
منذ عقود طويلة، ظل الخليج وإيران يعيشان حالة من التوازن القلق. فالجغرافيا فرضت الجوار، لكن السياسة صنعت التنافس. وفي كل مرحلة تاريخية، كانت العلاقة تتأرجح بين الانفتاح الحذر والتوتر الصريح.
شهدت المنطقة محطات تقارب، لكنها لم تكن كافية لبناء ثقة مستدامة. وشهدت كذلك محطات صدام، لكنها لم تصل إلى حد القطيعة الكاملة. وبين هذا وذاك، ظل الخليج ينظر إلى إيران بوصفها قوة إقليمية لا يمكن تجاهلها، بينما ظلت إيران تنظر إلى الخليج بوصفه ساحة نفوذ لا يمكن التنازل عنها.
ومع ذلك، فإن السنوات التي سبقت الحرب حملت محاولات جادة لخفض التوتر. فقد سعت دول الخليج إلى فتح قنوات حوار مع طهران، إدراكاً منها بأن الاستقرار الإقليمي لا يتحقق إلا عبر التفاهم. لكن الحرب الأخيرة كشفت هشاشة تلك التهدئة، وأظهرت أن الحوار، مهما كان ضرورياً، لا يكفي وحده لضمان الأمن.
لا يمكن لأي قراءة جادة للعلاقة الخليجية–الإيرانية أن تتجاوز ملف الجزر الإماراتية الثلاث: طنب الكبرى، طنب الصغرى، وأبو موسى. فهذا الملف ليس تفصيلاً جغرافياً، بل هو قضية سيادة تمسّ وجدان الإمارات والخليج كله.
ففي 30 نوفمبر/تشرين الثاني 1971، وقبل يومين فقط من إعلان قيام دولة الإمارات، فرضت إيران سيطرتها على الجزر الثلاث. ومنذ ذلك التاريخ، ظلّت الإمارات ثابتة على منهج واضح: التمسك بالحق التاريخي والقانوني، والدعوة إلى حل سلمي عبر المفاوضات أو التحكيم الدولي، ورفض فرض الأمر الواقع بالقوة.
وتكتسب الجزر أهمية استراتيجية بالغة، إذ تمنح من يسيطر عليها قدرة على مراقبة حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقارب ثلث تجارة النفط المنقولة بحراً عالمياً.
إن هذا الملف، بما يحمله من رمزية وسيادة، سيظل عنصراً أساسياً في أي قراءة مستقبلية للعلاقة بين الجانبين.
ووفقاً لبيانات منشورة في تقارير خليجية ودولية، فقد شهدت دول الخليج 4,391 هجوماً منذ 28 فبراير 2026، كان نصيب الإمارات منها 2,156 هجوماً، أي ما يقارب نصف الهجمات المسجّلة، وشملت الهجمات صواريخ باليستية وصواريخ كروز وطائرات مسيّرة، واستهدفت موانئ حيوية ومنشآت نفطية ومطارات مدنية ومناطق سكنية.
هذه الأرقام لا تُستخدم لإدانة، بل لفهم حجم التحدي الذي واجهته دول الخليج، وإدراك أن مرحلة ما بعد الحرب لا يمكن أن تُبنى على افتراضات قديمة.
المثقف العربي، حين يتأمل مستقبل العلاقة الخليجية–الإيرانية، لا ينطلق من موقع الخصومة ولا من موقع التبرير، بل من موقع الفهم. والفهم هنا يعني إدراك أن المنطقة مقبلة على مرحلة إعادة تشكيل، وأن الحرب لم تكن نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة.
من المتوقع أن تتجه دول الخليج إلى سياسة أكثر براغماتية، لكنها براغماتية بلا أوهام. فلا قطيعة كاملة مع إيران، لأن القطيعة مستحيلة، ولا ثقة كاملة، لأن الثقة تحتاج إلى سنوات طويلة من السلوك المتزن.
ستبقى العلاقة محكومة بمبدأين: الردع حين يلزم، والتواصل حين يفيد. الحرب دفعت دول الخليج إلى إعادة تقييم منظومتها الأمنية، إذ من المتوقع أن نشهد: تعزيزاً للدفاعات الجوية والصاروخية، وتنويعاً لمصادر التسليح،
وتعاوناً خليجياً أعمق في المجال الدفاعي، وربما بناء منظومة ردع مشتركة تتجاوز التنسيق التقليدي.
إيران نفسها ستخرج من الحرب بواقع جديد. فقد تراجعت قدراتها الاقتصادية، وتعرضت بنيتها الداخلية لضغوط كبيرة، لكنها لا تزال تمتلك أدوات تأثير إقليمي. وهذا يعني أن الخليج سيواجه إيران مختلفة، لكنها ليست ضعيفة بما يكفي لتغيير سلوكها، ولا قوية بما يكفي لفرض رؤيتها.
دور المثقف العربي اليوم ليس أن يصفق لطرف أو يهاجم آخر، بل أن يقدم رؤية تساعد على بناء مستقبل أكثر استقراراً. وهذه الرؤية تقوم على ثلاثة مبادئ: إن الأمن الإقليمي لا يُبنى بالقطيعة، بل بالتوازن، وإن الحوار لا يُغني عن الردع، والردع لا يُغني عن الحوار، وإن الخليج يمتلك اليوم من القوة ما يجعله شريكاً لا تابعاً في صياغة مستقبل المنطقة.
إن العلاقة الخليجية–الإيرانية بعد الحرب ليست صفحة تُطوى، بل فصل جديد يُكتب. والمثقف العربي، حين ينظر إلى هذا الفصل، يدرك أن المنطقة أمام فرصة لإعادة صياغة معادلة الأمن والاستقرار، وأن الحكمة الخليجية التي جنّبت المنطقة حروباً كثيرة ستظل هي البوصلة التي تقود المرحلة المقبلة.
فالجغرافيا لا تتغير، لكن السياسات يمكن أن تتغير، والتوتر ليس قدراً، بل نتيجة. والمستقبل، مهما بدا معقداً، يمكن أن يكون أكثر استقراراً إذا اجتمعت الإرادة والرؤية والقدرة.