قد يكون من المبكر الحكم على النتيجة النهائية لهذه الحرب التي ابتليت بها منطقتنا، لكن واحدة من حقائقها أصبحت دامغة وجلية وتتصل بسقوط السردية الإيرانية، التي طالما تناومت على مدى عقود وادّعت أنها تريد أن تنسجم مع جوارها العربي في الخليج وتبني معه أفضل العلاقات، حتى سقط القناع وانكشفت اعتداءات منفلتة تستهدف دول المنطقة وفي المقدمة منها دولة الإمارات العربية المتحدة.
السردية الإيرانية التي تواكب الحرب الراهنة، ليست وليدة اليوم، بل كانت تمارس التقيّة السياسية على مدى عقود في سياق استراتيجية هدامة تتنافى مع أبسط مبادئ حسن الجوار والتعايش، ومما يزيد من تعقيدها أن تخرج بعض الأصوات من داخل إيران لتبرر تلك الاعتداءات بذريعة وجود قواعد أجنبية، وأحياناً تتنصل من بعض منها بادّعاء أن طهران ليست الجهة المنفذة، متجاهلة التهديدات العديدة، منذ بداية الحرب باستهداف المنشآت الحيوية في دول الخليج العربية، رغم أن هذه الدول تبرأت من هذا التصعيد وسعت بكل ما لديها من قنوات دبلوماسية إلى تفاديها وتجنيب المنطقة شرورها وفتنتها.
أما عملية إغلاق مضيق هرمز، فهي جريمة بحد ذاتها، وتصرف متهوّر لم يرعَ قوانين الملاحة ولا المعاهدات والمواثيق، وقد كانت الأضرار جسيمة وفادحة على الغالبية الساحقة من دول العالم التي عارضت هذا الحرب، ومازالت تعارضها، ولكنها أصبحت متضررة بشدة، بينما من يشنّون الحرب على إيران لم يلحقهم أذى كبير، ومنهم من يخدم هذا الإغلاق مصالحه وأهدافه أكثر من الحرب ذاتها.
التصعيد العسكري الجاري كان أسوأ السيناريوهات المتوقعة على مدى سنوات طويلة، لأنه لا يخدم مصلحة المنطقة، وليست له من أهداف سوى إشاعة الفوضى في الإقليم كله، ومحاولة إعادة رسم خرائطه ونقله إلى مرحلة متزعزعة على الصعد الأمنية والسياسية والاقتصادية، ضمن مخطط خبيث تلتبس فيه النوايا والأهداف لفرض واقع جيوسياسي جديد يتنافى مع تطلعات الشعوب المحبة للسلام والتنمية والتخطيط للمستقبل الذي يأمله كل ذي ضمير حي وصاحب عقل سليم.
هذه الحرب، طالت أم قصرت ستنتهي، وستبقى تداعياتها ودروسها أمداً طويلاً، وستفرض على دول المنطقة، وخصوصاً دول الخليج العربية، قناعات جديدة تتصل بالأمن والعلاقات والتحالفات، كما ستفرض مراجعة شاملة للعلاقة مع الجار الإيراني الذي لم يرعَ حق الجوار ورابطة الدين والتاريخ المشترك، ولن يكون لديه مجال لاجترار سرديته القديمة ولا اختلاق تبريرات لاعتداءاته التي لم تترك مساحة للعذر ولا فرصة لقبول الاعتذار، فما جرى في هذه الحرب لا يغتفر، ولا يمكن التجاوز عنه. ولن تقتصر المراجعة على سلوك الجار الإيراني، وإنما ستشمل كل الأطراف والمواقف ذات الصلة بهذه الحرب وما يستتبعها من تداعيات، وهو ما ستتطلبه المرحلة المقبلة التي ستدشّن عصراً جديداً ليس في المنطقة، فحسب بل في العالم كله.