د. أحمد برقاوي
يطرح البشر، أمماً وشعوباً وأقواماً، أهدافاً مرتبطة بمستقبلهم حين ينجزون حاضراً صار في عداد الماضي. وهذا يعني أن السيرورة التاريخية سيرورة لا تتوقف. فالحاضر هو الذي يخلق النزوع نحو صناعة المستقبل. وكل ما كان في عداد المستقبل وصار حاضراً يولّد رؤية للمستقبل، وآية ذلك أن كل ما يتحقق على أرض الواقع يخلق ممكنات جديدة، والممكنات الجديدة هي علامات المستقبل التي تخلق بدورها الإرادة بوصفها القابلة القانونية التي تساعد الممكنات على أن تصير واقعاً. هذه حركة التاريخ المعهودة.
غير أن البشر يمرّون عادةً بأزمات أو مآزق تاريخية، وبخاصة في المراحل الانتقالية من بنية إلى أخرى. وهناك فرق كبير بين الأزمة والمأزق التاريخي.
فالأزمة ليست سوى انقطاع مؤقت في السيرورة التاريخية يمكن تجاوزه بأقل الخسائر، وتفتح طريق التاريخ نحو المستقبل. فالأزمة، بوصفها انقطاعاً مؤقتاً، لا تخلق إلا عجزاً إرادياً مؤقتاً، كالأزمة الاقتصادية في حقل ما من حقول الاقتصاد، أو أزمة نتيجة وباء قاتل كوباء كورونا، أو أزمة سياسية مؤقتة، وهكذا.
لكن المأزق التاريخي هو انسداد آفاق المستقبل، الذي يخلق عجزاً إرادياً ليس بمقدوره مواجهة هذا الانسداد. وفي المأزق التاريخي الذي يسلب الإرادة فاعليتها للتجاوز، فإن أخطر ما يتولّد عنه هو الحروب الداخلية التي تأخذ شكل حروب أهلية قومية أو مناطقية أو طائفية. وأكبر شاهد على ما أقول ما نشهده اليوم في بعض بلداننا.
ما هو العامل الأساسي الذي يولّد المأزق التاريخي؟
عندما تتغوّل إرادة على الواقع لتحافظ عليه، وتقف عائقاً أمام طريق التغيير والتطور والتجديد، وتقتل كل الممكنات التاريخية حفاظاً على تغوّلها عبر منطق القوة وإعدام قوة المنطق.
وعندما يحقق منطق القوة، الذي انتصر على قوة المنطق الواقعي، نوعاً من الهدوء والعجز، يظن أن هذا الهدوء ليس سوى استقرار الواقع.
لكن هذا الاستقرار الوهمي ليس سوى استنقاعٍ تاريخي، وشتان بين الاستقرار والاستنقاع.
فالاستقرار ليس هو المجتمع الراكد، بل المجتمع الذي يتطور وينمو ويتجدد دون عوائق تعرقل هذا كله، وإن مرّ بأزمة ما، فإنه يتجاوزها دون آثار تعرقل مساره. المجتمع المستقر لا ينطوي على مخاطر تنذر بانفجارات مدمرة.
فيما المستنقع التاريخي الذي تكوّن نتيجة المأزق التاريخي، فإنه، شيئاً فشيئاً، يزيد من عوامل الانفجار المجتمعي. وربما تشعل شرارة واحدة قادرة على إشعال ما تراكم من مواد الانفجار. عندها يُخرج المستنقع كل ما تراكم في داخله من العنف، أملاً من القوى التي ظهرت إلى الحياة أن تحقق أهدافها.
ويزداد الأمر سوءاً إذا ما تحوّل الصراع إلى صراع قوى ذات أهداف مختلفة أو متناقضة أو متضادة.
وأخطر نتائج الصراع الناتج عن انفجار المستنقع التاريخي فقدانُ سلطة الدولة لأهم وظائفها، ألا وهي احتكار القوة. ففي المجتمع الطبيعي، فإن الدولة هي الوحيدة التي تحتكر القوة، من قوة القانون إلى قوة الالتزام به، إلى قوة الدفاع عنه ضد أي اعتداء خارجي أو داخلي، كالشرطة والجيش والمحاكم والمؤسسات الأخرى المرتبطة بالسلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية.
وحين يزول احتكار الدولة للقوة تنشأ الميليشيات السياسية والعصابات الاجتماعية، ويزول الأمان الفردي والمجتمعي، ويتخذ الصراع على السلطة الطابع العُنفي، وينعكس هذا العنف على الحياة كلها، وما يترتب عليه من هروب وهجرة ولجوء، إلى أن تنتصر قوة ما من قوى المستنقع بعوامل داخلية أو خارجية.
ومن المآزق التاريخية النادرة التي قد يطول بقاؤها، بفعل منطق القوة المتناقض مع قوة المنطق الواقعي للتاريخ، مأزقُ القوة المحتلة الغريبة الوجه واليد واللسان، التي تقيم في قلب السكان الأصليين، وهي أقلية ومرفوضة منهم عبر كل أشكال الرفض.
هذا المأزق يخلق عقلاً لا يفكر إلا انطلاقاً من مبدأ منطق القوة الذي يُتيح له البقاء. ولما كان منطق القوة، المتناقض مع قوة المنطق الواقعي مهما كان، لن يحقق أهدافه إلا بقوة من خارجه تحميه وترعاه، فإن المأزق يحوّل المحتل إلى وجودٍ بغيره. فهو يعيش القلق الدائم على بقائه والخوف على وجوده. ومنطق التاريخ الواقعي يؤكد أن وجود واقعة كهذه هو وجود مؤقت.
وهذا ما يؤكده احتلال الفرنجة للقدس وبعض مناطق بلاد الشام زمن الحروب الصليبية، فجميع القلاع التي بناها الصليبيون، ومع الدعم من الدول التي جاؤوا منها، خرجوا وتركوا وراءهم قلاعهم، ولم يتركوا أي أثر ثقافي على الإطلاق.