بعد ساعاتٍ من وقوف المنطقة والعالم في حالة من الخوف والقلق من انزلاق الحرب الإيرانية إلى صراع مفتوح على مختلف الاحتمالات السيئة والخطرة، برزت بارقة أمل في اللحظات الأخيرة بتجنب ما كان ينتظر المنطقة ومعها العالم من فوضى أمنية وسياسية واقتصادية لا يمكن التكهن بنتائجها وتداعياتها.
انتصر منطق السلام على منطق الإبادة وإفناء الحضارة، بعد جهود دبلوماسية حثيثة قامت بها باكستان ودول أخرى للتهدئة، ووقف إطلاق النار، تمهيداً لبدء مفاوضات في إسلام آباد يوم غد الجمعة، قد تكون مباشرة هذه المرة بين الولايات المتحدة وإيران، وبمشاركة نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس.
لكن ما حدث بعد ذلك أن النظام الإيراني ومعه إسرائيل رفضا منطق السلام، في إصرار على العدوان، فقد عادت إيران إلى تصويب حقدها على دولة الإمارات، وأطلقت وابلاً من الصواريخ بلغ عددها 17 صاروخاً و35 طائرة مسيّرة طالت أهدافاً مدنية وأدت إلى إصابة عدد من المدنيين، وبذلك بلغ عدد الإصابات منذ بدء العدوان 224 إصابة شملت 31 جنسية عربية وأجنبية. وقد أكدت وزارة الدفاع أنها على «أهبة الاستعداد والجاهزية للتعامل مع أي تهديدات، والتصدي بحزم لكل ما يستهدف زعزعة أمن الدولة، بما يضمن صون سيادتها وأمنها واستقرارها، ويحمي مصالحها». كما هاجمت إيران أهدافاً في دول مجلس التعاون الخليجي، في اعتداءات غاشمة على الأعيان المدنية أوقعت إصابات بين الأبرياء.
كذلك فعلت إسرائيل أمس بارتكابها أوسع اعتداءات جوية على لبنان شملت مختلف المناطق خصوصاً العاصمة بيروت، حيث أوقعت مئات القتلى والجرحى، وكأن النظام الإيراني وإسرائيل يريدان أن يقولا معاً للعالم إن السلام بضاعة كاسدة، وإن العدوان وحده الذي يسود.
إن قرار الحرب يعد واحداً من أعقد القرارات التي يمكن أن تتخذها دولة ما، وربما يكون من أخطر القرارات إذا ما تم اتخاذه من منطق أيديولوجي متطرف أو رغبات نفسية ونزوات شخصية، ومن دون تبصر بالعواقب ولا يستند إلى شرعية دولية، وإلى حسابات دقيقة وواقعية، ما يؤدي إلى السقوط في فخ النتائج الخطرة التي تتجاوز الأطراف المتحاربة.
كذلك، فإن توسيع نطاق المواجهة جغرافياً باستهداف دول جارة لا علاقة لها بالحرب، أو استخدام مضيق هرمز وسيلة ابتزاز وأداة ضغط، يعد خروجاً على منطق المواجهة الثنائية، وعلى قوانين الحرب والقانون الدولي الإنساني، ويبطل كل تبريرات طهران للحرب.
إن استعادة السلام تستلزم حساباً دقيقاً وواقعياً وحكيماً يتجاوز مفاهيم الحرب وآثارها، وصولاً إلى التخلي عن نظريات القوة التي لا تؤدي إلا إلى الكوارث وأسوأ النتائج الممكنة.
وأمام هذا الواقع تشكلت ملامح تفاهم يقوم على تهدئة متبادلة تتخللها مفاوضات تلتزم بها كل الأطراف لمدة أسبوعين، يتصدرها شرط أساسي يتمثل في الإبقاء على مضيق هرمز مفتوحاً أمام الملاحة الدولية، باعتباره خطاً أحمر دولياً، لا يمكن تجاوزه من دون تداعياته الواسعة. ويقابل هذا الالتزام تعليق الضربات العسكرية، بما يفتح الباب لخفض التصعيد ويمنح الأطراف المعنية فرصة لإعادة ترتيب أولوياتها، ويعطي العالم فرصة لالتقاط أنفاسه.
وإذا كانت دولة الإمارات واحدة من الدول التي استهدفها الإرهاب الإيراني الغاشم على مدى نحو أربعين يوماً، فإنها تمكنت من تبديد أهداف النظام الإيراني الحاقد، وخرجت منتصرة بفضل وعي وحكمة قيادتها، وتأهب قواتها المسلحة، والتفاف شعبها وتوحده، ومعه كل المقيمين على أرضها، وهو ما أكده أنور قرقاش المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة بقوله «الإمارات انتصرت في حرب سعت لتجنبها.. انتصرنا بدفاع وطني ملحمي، صان السيادة والكرامة وحمى المنجزات في وجه عدوان غاشم»، وأضاف «نتجه اليوم لإدارة مشهد إقليمي معقّد برصيد أكبر، ومعرفة أدق، وقدرة أرسخ على التأثير وصيانة المستقبل.. قوتنا وصلابتنا وثباتنا عززت نموذج الإمارات النهضوي».
في المحصلة، تبدو التهدئة فرصة فرضتها موازين القوى، في انتظار ما تسفر عنه المفاوضات، إذ لا تزال هناك ملفات أساسية تحتاج إلى حسم، من بينها الملف النووي، ومستقبل التوازنات في المنطقة، ومسألة الأمن الإقليمي ودور إيران فيها، على أمل التوصل إلى اتفاقيات نهائية بشأنها وتحقيق الأمن المستدام الذي يطمح إليه الجميع.
بين منطق السلام ومنطق العدوان
9 أبريل 2026 00:16 صباحًا
|
آخر تحديث:
9 أبريل 00:16 2026
شارك
