في زمن يبدو فيه العالم أكثر اتصالاً من أي وقت مضى، تتسلل إلى شقوقه القديمة أشباح لم تغادره يوماً، أشباح التمييز، التي تبدأ همساً وتنتهي أحياناً بصخب الإبادة.
يقدم كتاب «العنصرية والتعصب العرقي.. من التمييز إلى الإبادة الجماعية»، الذي ألّفه عالم الاجتماع إيان لوو، قراءة معمقة لواحدة من أخطر الظواهر الإنسانية. في ظاهر الأمر، قد تبدو الموضوعات التي يناقشها الكتاب مألوفة للقارئ العربي، الذي يعيش في قلب وقائع التمييز والصراعات الممتدة في أكثر من بقعة، من العراق إلى فلسطين، ومن السودان إلى الصومال، حيث تتجلى أشكال متعددة من التمييز، سواء على أساس ديني بين المسلمين والمسيحيين، أو لأسباب طائفية، أو على أساس عرقي بين العرب والأفارقة والكرد والبربر.
غير أن الكتاب لا يكتفي بإعادة طرح هذه القضايا، بل يتجاوزها ليقدّم إضافات معرفية ثرية، خاصة حين يوسّع نطاق النظر إلى نماذج بعيدة عن العالم العربي، مستعرضاً حالات مثل غجر الروما، وميانمار (بورما)، والصين، واليابان، وأمريكا اللاتينية. من خلال هذا الامتداد الجغرافي، يضع القارئ أمام خريطة عالمية للتمييز، تكشف أن الظاهرة ليست حكراً على ثقافة أو مجتمع بعينه، بل هي بنية فكرية قابلة للانتقال والتكرار. كما يغوص الكتاب في الأسس المنهجية والنظرية التي قامت عليها أفكار العنصرية، كاشفاً كيف جرى تأطيرها فكرياً لتبرير الإقصاء، بل والتسويغ لقتل البشر والتخلص منهم. إن العنصرية ليست مجرد جرح في جسد الآخر، بل هي العمى الذي يصيب الروح، فلا تبصر في الإنسان إلا ما تمليه عليها أوهام التفوق.
في نهاية المطاف، كل رصاصة تطلق باسم العرق ليست سوى انتحار بطيء لضمير الإنسانية، وارتداد نحو فوضى البدائية الأولى.