عادي

السياسة والعلم.. صراع طويل على الحقيقة

19:16 مساء
قراءة 4 دقائق

في كتاب «الحقيقة والأكاذيب في قضايا الصحة العامة» ترجمة أحمد زكي أحمد ومراجعة عبد المقصود عبد الكريم، تأخذنا الباحثة ماديلون لوبين فينكل في رحلة كاشفة لما وراء الكواليس، وتسعى إلى توضيح حقيقة صادمة: إن تسييس العلم يمثل خطراً شديداً، وقد يكون الأذى الناجم عنه أكثر من نفعه.

يضعنا الكتاب أمام واقع مرير، حيث تنتصر غالباً أيديولوجية السياسيين على صرامة العلم، فالمعركة من أجل الصحة ليست مجرد صراع ضد الأوبئة، بل هي في جوهرها حرب من أجل استعادة قدسية الحقيقة، فالعلم حين يفقد تجرده لصالح الغرض السياسي، يفقد معه الإنسان بوصلة النجاة، ليبقى هذا الكتاب صرخة في وجه العبث، وتذكيراً بأن العافية الحقيقية تبدأ بوعي حر لا يحركه سوى الدليل، وبقلب يدرك أن العلم إن لم يكن خالصاً للحقيقة كان وهماً يرتدي ثوب الشفاء.

*فصل

تؤكد الكاتبة أن الادعاء بأن السياسة والعلم لا يتعايشان غباء، وفصل العلم بشكل قاطع عن السياسة محاولة غير علمية ولا ينصح بها أحد، فعلياً يتبنى معظم العلماء والسياسيين الدفاع عن موقف ينادي بوجوب ارتباط العلم بالسياسة، لكننا نحتاج إلى حماية سياسات العلم وسياسات الصحة العامة من الخضوع للأيديولوجية.

يجب على صانع السياسة العمل بجد للوصول إلى تفسير نزيه للنتائج العلمية، تفسير يوجه عملية صنع السياسات، ويسهم التفكير النقدي المستقل في خلق حوار حيوي، فتكميم أفواه أولئك الذين يعتنقون أفكاراً تتعارض مع حزب الأغلبية، أو لي عنق الأدلة العلمية، من أجل تدعيم وجهة نظر ما، لا ينتج علماً رديئاً فقط، لكنه ينتج سياسة رديئة أيضاً، وينبغي أن نقول إن السياسة تتعرض أيضاً للخطر، عندما يقررها العلم وحده، مع استبعاد الاعتبارات الأخلاقية والثقافية والاجتماعية.

تعكس موضوعات هذا الكتاب المساومات الدقيقة بين الحقوق الخاصة والمنافع العامة، قد تتصادم القيم الشخصية في حالات كثيرة، مع الحقائق العلمية، ومن ثم إلى أي مدى يجب أن تكون السياسات العامة انعكاساً لقيمنا الشخصية؟ تكمن الصعوبة بل الخطر الحقيقي في صياغة السياسة العامة في غيبة الأبحاث والدراسات الموضوعية الجيدة، أو بغض الطرف عنها.

يركز الفصل الأول من الكتاب على الشراكة غير المريحة بين العمل السياسي والعلم، وينادي بموقف يقول إن الأيديولوجية السياسية يجب أن تحتل مكاناً، خلف الشواهد التجريبية في صياغة السياسات العامة، في ميدان العلم والصحة العامة، وتوضح أمثلة من صناعة سياسة العلم في ظل حكم العدد الأخير من الرؤساء الأمريكيين أن كلاً من الحزبين الجمهوري والديمقراطي استخدما السياسة لتشكيل سياسة العلم، لكن الرئيس جورج بوش اتخذ ما يعتبر موقفاً حزبياً بالغ الانحياز للسياسة في وضع سياسات الصحة العامة والعلم، ثم أخذ يبحث عن مبررات علمية لذلك، ويختصر العملية السياسية العلمية، ويفقدها مصداقيتها.

يخلص هذا الفصل إلى بناء مواقف لحماية التكامل المستقل للعملية العلمية وحمايتها من التسييس الذي يهيمن على عملية وضع سياسة العلم، وبدلاً من ادعاء أن السياسة والعلم لا يتفقان، يتمثل المسار الأفضل للعمل في محاولة تطوير نظام شفاف يمكن تبريره لتحييد خطر عرقلة السياسة للعملية العلمية.

*نقص معلومات

في بدايات ظهور وباء الإيدز تسبب نقص المعلومات عن هذه العدوى الجديدة والمميتة في تعطيل وضع سياسة لمواجهته، وتعقدت القضية بالسؤال عن الفئة السكانية التي تصاب بالمرض، كان الإيدز مرضاً مرعباً وأصبح أكثر تعقيداً بالتناول السياسي له، وربما كان من الممكن إنقاذ ملايين الأرواح لو جاء التحرك السياسي، في وقته، فقد أخذ الأمر عدة سنوات حتى تستطيع الحكومة تقدير خطورة الأزمة المتنامية في الولايات المتحدة وفي الخارج.

يوضح أحد المقالات أنه منذ بداية هذا الوباء كان الإيدز مثار جدل وخلافاً وقضية مشحونة سياسياً أبرزت للعيان بروزاً واضحاً المظالم الطبقية والعرقية والنوعية والاقتصادية والاجتماعية والجغرافية بشكل مؤلم، وقد زاد الخوف والعار والجهل واللامبالاة نحو الإيدز من انتهاك حقوق المصابين بالإيدز، كما ساعدت انتهاكات حقوق الإنسان على انتشار الإيدز.

*جدل

يركز الفصل الرابع في الكتاب على القضايا العلمية والسياسية والأخلاقية المحيطة بالجدل حول الخلايا الجذعية، ولأن الخلايا الجذعية الجنينية تتمتع بإمكانيات ضمنية للنمو والتحول إلى أي نسيج أو عضو في الجسم، يعتقد العلماء أنهم قد أمسكوا بأمل عظيم للعلاج والشفاء، ولأن الأجنة البشرية تدمر لاستخراج هذه الخلايا الجذعية، تثور اعتراضات عنيفة من الجماعات المناهضة للإجهاض.

في السابق قضى التطعيم بشكل واسع على أمراض رهيبة كانت شائعة مثل شلل الأطفال والحصبة والجدري والدفتريا، وأسهمت السياسة في الولايات المتحدة في تبني سياسات عامة ناجحة في مجال الصحة العامة باشتراط التطعيم عند سن دخول المدرسة، وهي سياسة كانت فعالة في تحقيق معدل تغطية عال للأطفال بالتطعيم.

لكن مسار القضاء على المرض لم يكن سهلاً دائماً فإلى جانب التحديات العلمية لتطوير التطعيم أدت قضايا اجتماعية وأخلاقية واقتصادية وقانونية وسياسية إلى تقليص جهود تطعيم السكان ضد الأمراض، وفي بعض الحالات إخراجها عن مسارها، وتصادمت مراراً حركات صاخبة مناهضة للتطعيم مع السلطات الحكومية لتحصين الناس من أجل الصالح العام، وتاريخياً احتج المناهضون للتطعيم ضد ما اعتبروه اقتحاماً لخصوصيتهم، وسلامة أجسادهم.

*اختلاف

ترتبط سياسة العلم بالسياسات العامة بالضرورة، لكن الموروث في تلك العلاقة التكافلية يكمن في الاختلافات الواضحة بينهما في النهج، يتأسس العلم على الحقائق، وتتأسس السياسة على إدراك الحقائق وتفسيرها.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"