الجولة الأخيرة من المفاوضات الأمريكية- الإيرانية التي جرت في إسلام آباد، يبدو أنها كانت تمريناً أولياً لمفاوضات لاحقة أكثر جدية، فهي لم تفشل تماماً؛ بل فتحت الباب لمناقشة أكثر عمقاً وأوسع نطاقاً حول القضايا الخلافية في محاولة للتركيز على المصالح وليس على المواقف لتحقيق مكاسب متبادلة من خلال حلول مقبولة ومرنة، وصولاً إلى اتفاق من دون استسلام.
لقد كانت حرب الأربعين يوماً قاسية وعنيفة وكارثية بكل المقاييس جراء تداعياتها على المتحاربين مباشرة من حيث الخسائر البشرية والاقتصادية والمادية، وعلى دول الخليج التي لم تكن طرفاً مباشراً في هذه الحرب، لكن النظام الإيراني زج بها عنوة وألحق بها أضراراً جراء عدوانه بالصواريخ والطائرات المسيرة، وعلى دول العالم التي عانت نتيجة إغلاق مضيق هرمز وهو أهم ممر مائي يمثل شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي.
لذلك كانت المفاوضات التي قادتها باكستان واستمرت 21 ساعة في إسلام آباد محاولة لكسر حلقة العنف وتجنيب العالم ما هو أسوأ، مجرد مقدمة للمفاوضات، لأن الملفات المطرحة على الطاولة صعبة والمواقف منها متضاربة ومتعارضة وتحتاج إلى وقت وصبر وبعد نظر وإرادة، وهي من الشروط الأساسية لأية مفاوضات تهدف إلى الوصول إلى حل وسط.
لذلك ، لم تستسلم الدول التي شاركت في التمهيد للمفاوضات، وخصوصاً باكستان التي شاركت بدور أساسي فيها؛ إذ باشرت على الفور بعد انتهاء جولة إسلام آباد إلى استئناف مساعيها الحميدة بين واشنطن وطهران في محاولة لتجسير الهوة بينهما، من خلال نقل الرسائل بين الطرفين، وقد تولى هذه المهمة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير الذي زار طهران ونقل إلى المسؤولين فيها رسالة من الولايات المتحدة، والتخطيط للجولة الثانية من المفاوضات التي ستعقد على الأرجح في إسلام آباد أيضاً، كما قام رئيس وزراء باكستان محمد شهباز شريف بجولة شملت المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا، لإطلاع المسؤولين فيها على مجريات المفاوضات، والجهود المبذولة لاستعادة الاستقرار في المنطقة.
هناك أربع قضايا خلافية أساسية بين واشنطن وطهران تتعلق بنسبة تخصيب اليورانيوم، والبرنامج الصاروخي، ومضيق هرمز ، ودور إيران في المنطقة من خلال أذرعها في لبنان واليمن والعراق، وكلها باتت مطروحة للنقاش بين الطرفين في محاولة للوصول إلى حلول مقبولة بشأنها، وقد وصفت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت المفاوضات بأنها «مثمرة»، في حين قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن الجولة الثانية من المفاوضات قد تعقد «خلال اليومين المقبلين»، ووصف اليومين المقبلين بـ»المذهلين» من دون أن يكشف عن مضمون هذا الوصف.
ووفقاً للمراقبين، فإن طهران من جانبها تبدي مرونة تجاه القضايا الخلافية، وهذا ما دفع باكستان للمضي قدماً في جهودها كطرف موثوق بين الجانبين، وتمهيد الأرضية المناسبة لاستئناف المفاوضات.
في كتاب «الوصول إلى نعم» لروجر فيشر ووليام يوري يحدد الكاتبان فيه طريقة التفاوض للوصول إلى نتائج إيجابية من خلال ابتكار خيارات تحقق مكاسب متبادلة، والإصرار على استخدام معايير موضوعية قابلة للتطبيق والتركيز على المصالح التي ترضي الطرفين.
لذلك، يمكن القول إن المفاوضات وهي نقيض العمل العسكري، لكنها تشكل أداة من أدواته لتحقيق الأهداف من دون سلاح، ومن هنا، فإن المفاوضات بين واشنطن وطهران تجري تحت سقف هدنة وحصار، إما أن تحقق اختراقاً من خلال اتفاق إطار، وإما العودة إلى التصعيد.