عدوان قديم.. جديد

00:03 صباحا
قراءة دقيقتين
1

من الأخطاء القاتلة في علم السياسة، الشعور بالعظمة والتعالي، والبحث في زوايا التاريخ عن جذور حضارة أو عقيدة لعلها تشكّل أساساً لزعامة أو قيادة أو سيطرة وتمدد نفوذ. إنها حالة من عمى البصر والبصيرة التي تؤدي إلى كوارث، لأنها تفتقد الحكمة اللازمة للرؤية الصحيحة والمستقبلية.
هذه هي حال القيادة الإيرانية التي تمسكت بمبادئها العدائية في إطار ممارستها للسياسة مع جيرانها والعالم، ووضعت نفسها في موقع العزلة الخانقة، وهي الآن تستعدي العالم من خلال السعي لاستخدام مضيق هرمز كأداة ابتزاز، واختطافه كرهينة لتحقيق أهداف سياسية تتناقض مع كل القوانين الدولية، تماماً كما فعلت خلال أربعين يوماً من اعتداءات غاشمة على دولة الإمارات ودول الخليج العربي الأخرى.
في اجتماع الجمعية العامة للاتحاد البرلماني الدولي ال152 الذي انعقد مؤخراً في إسطنبول، أشار رئيس المجلس الوطني الاتحادي لدولة الإمارات صقر غباش، إلى قضية بالغة الأهمية تفسر أسباب أزمة الثقة والعداء بين دول الخليج وإيران، هذه القضية تتعلق بالدستور الإيراني الذي وضع عام 1989 بعد الثورة على الشاه، ثم تم تعديله بعد أشهر قليلة، وفي متنه لب الأزمة مع دول الجوار، حيث تنص العديد من المبادئ على أهداف عابرة للحدود من خلال «تصدير الثورة»، وعلى سبيل المثال «حماية الدول المحرومة والمضطهدة»، أي: إن إيران ترى لنفسها «رسالة ودوراً يتجاوز حدودها»، كما أكد صقر غباش، بمعنى آخر، إن إيران تعطي لنفسها حق التدخل بشؤون الدول الأخرى وفق مشروع أيديولوجي ديني، يتنافى بالمطلق مع حقوق السيادة الوطنية والقانون الدولي، وهو أمر يتناقض مع منطق الدولة الذي يرتكز على الدستور والقوانين والاعتراف الدولي والاستقرار والمؤسسات والسيادة والسيطرة.
وأوضح رئيس المجلس الوطني في تعقيب على كلمة الوفد الإيراني بالقول: «إن موضوع الإشكال الحقيقي هو أن هذا التصوّر، في بنيته العميقة، لا ينسجم مع روح النظام الدولي المعاصر الذي قام بعد حروب ومآسٍ كبرى على احترام سيادة الدول، وعلى المساواة القانونية بينها، وعلى صون استقرارها الوطني». وأكد أن من حق دولنا أن تقول بوضوح إن المشكلة مع هذا النهج والسلوك لم تبدأ من رد سياسي ولا من خلاف دبلوماسي، وإنما بدأت من الدستور الإيراني والفلسفة التي قام عليها، ومن النصوص التي منحت هذا التصور معنى يتجاوز الداخل، ومن الرؤية التي لم تكتفِ ببناء دولة داخل حدودها».
إن النظام الإيراني سعى منذ قيامه عام 1989 إلى نشر مبادئه وفكره من خلال تدخله المباشر بالشؤون الداخلية لدول الجوار، إما مباشرة، وإما من خلال أذرعه في الدول العربية التي عمد إلى تسليحها ودعمها مادياً كي تقوم بالمهمة نيابة عنه، من خلال استثمار الصراع مع إسرائيل لتبرير ما تقوم به.
ما واجهته وتواجهه دول الخليج ليس تصعيداً عابراً، بل هو نمط متكرر من السلوك العدواني الإيراني المباشر، ويستهدف المدنيين والبنى التحتية والمطارات والموانئ ومنشآت الطاقة، وصولاً إلى تعطيل حرية الملاحة في مضيق هرمز الذي يعتبر شريان حياة للعالم.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"