قالوا إن التاريخ يجري مرة على نحو أصيل، لكنه قد يعيد نفسه مرة أخرى، ولكن على نحو مهزلة. وهذا، لعمري، ينطبق أكثر ما ينطبق على إيران المعاصرة.
فإيران ذات تاريخ عريق وفاعل سياسياً وثقافياً، إنها إحدى الإمبراطوريات القديمة الكبرى إلى جانب الإمبراطورية الرومانية. ولقد أنهى العرب هذه الإمبراطورية الكبيرة بعد سلسلة من المعارك بدأت في عهد الخليفة أبي بكر، وانتهت في عهد أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب سنة 644 ميلادية.
وغدا الإسلام دين الناس، وأصبحت العربية لغة أساسية في كل أنحاء الإمبراطورية الأموية، ومن ثم في بلدان الإمبراطورية العباسية. وأصبح الحرف العربي حرف الكتابة في اللغة الفارسية، ونبغ عدد كبير من جميع الأقوام المكوِّنة للحضارة العربية، بما في ذلك الأقوام الفارسية.
ليس هدفنا العودة إلى التاريخ، لكننا سردنا ما سبق لنكشف أن هناك ذهنية متكوِّنة ذات طابع إمبراطوري، معتدة بتاريخ قديم، يخلق الوهم لدى أصحاب القرار في إيران المعاصرة بإمكان استعادته، وخاصة بعد نشوء دولة ولاية الفقيه.
تعتقد سلطة ولاية الفقيه أن المجال الحيوي لتحقيق النزعة الذهنية الإمبراطورية الجديدة يكمن أساساً في بلاد الشام والعراق واليمن ودول الخليج العربي.
ولتحقيق هذا الوهم الإمبراطوري بصورته الجديدة، عملت على تحقيق ثلاثة أمور بوصفها أدوات هيمنة:
الصناعات العسكرية المتقدمة، بما فيها طموحها النووي، لتزويد المؤسسة العسكرية الرئيسية، وهي الحرس الثوري، بالتقنية العسكرية العالية. تأسيس ميليشيات مسلحة ذات توجه أيديولوجي ديني وفق تصورات ولاية الفقيه في البلدان التي تعيش مأزق ضعف الدولة، مع تمويلها. استغلال العداء العربي لإسرائيل، وطرح الشعارات المرتبطة بذلك، كيوم القدس مثلاً.
فالحرس الثوري، والصواريخ بكل أنواعها، والميليشيات في العراق ولبنان واليمن، والميليشيات التي كانت لها في سوريا، ومدُّ هذه الميليشيات بالسلاح والمال، والتعبئة الأيديولوجية الثأرية، جعلها قادرة على أن تحضر بوصفها لاعباً أساسياً في مشكلات هذه البلدان، ولا شك أن لديها طموحاً أكبر من ذلك. بل إنها، عبر خطاب معادٍ لإسرائيل، جعلت من حماس والجهاد والقيادة العامة حلفاء لها في المنطقة، مع مدِّ هذه المنظمات بالمال الوفير. وهذا ما يقدم لها براءة زائفة من أيديولوجيتها الثأرية وتعصبها القومي.
لكن هذا الوهم الإمبراطوري، الذي يختلط فيه الوعي القومي الفارسي الماضوي، والوعي الديني السياسي، والوعي بالقوة المسلحة، لم يحسب حساب التاريخ الواقعي والمراكز الأساسية: أمريكا والصين وروسيا. ولهذا فإن الصراع على الهيمنة يحتاج إلى قوى متكافئة، ولا علاقة له بالوهم الأيديولوجي.
وما تراجعها في سوريا، وضعفها في لبنان، وأزمتها في العراق واليمن، إلا نتيجة طبيعية وصورة واضحة للمهزلة الناتجة عن وهم الذهنية الماضوية بقدرتها على استعادة التاريخ. بل إن الاعتداء على دول الخليج العربي ليس سوى رد فعل يائس من قبل هذه المهزلة.
هل سألت السلطة في إيران نفسها السؤال الأهم: ما الغايات التي ستجنيها إيران من قصف المواقع المدنية والاقتصادية الآن وفي المستقبل؟
الجواب، ولا شك: لا شيء. بل إنه سلوك لا يعود إلا بالضرر الذي لا طائل منه، وأكثر ما يعود الآن وفي المستقبل على شعوب إيران.
فمن الصعب على الذاكرة البشرية نسيان الجراح التي يولدها العدوان في حياة الشعوب، فكيف إذا كان العدوان جريمة عبثية من طرف على آخر لا يكنُّ له أي سوء؟
ففي الوقت الذي يعلن فيه العقل ضرورة السلم بين دول الجوار، بما يخلق المصالح المشتركة، تدق سلطة ولاية الفقيه اللاعقلانية إسفين العداوة بعدوانيتها علينا.
أجل، ما من عالم جديد يُبنى بأوهام استعادة عالم قديم، وذهنية تنتمي إلى الماضي السحيق. ورحم الله من قال: إن التاريخ يجري مرة على نحو أصيل، وقد يعيد نفسه مرة أخرى على نحو مهزلة أو مسخرة.
