خيانة الوطن جريمة واضحة المعالم، يسهل رصدها وتسميتها، لكن الأخطر منها هو ذلك النموذج الذي لا يرى نفسه خائناً من الأساس، نحن نتحدث عن إنسان يعيش بيننا، يتنفس هواء هذه الأرض، ويستفيد من خيراتها الوفيرة، ويستظل بأمانها، ويدّعي الانتماء في كل محفل، بينما في حقيقة الأمر بوصلة ولائه لا تشير إلى مصالح وطنه، بل تتجه دائماً نحو مرجعيات أخرى تقبع خلف الحدود.
وليس هناك ما هو أقبح ولا أخطر من هذه الازدواجية المموّهة، لأنها لا تظهر بوضوح العداء الصريح، بل تتسلل بهدوء خلف مظهر مألوف، وخطاب وطني يتقن مفرداته ويجيد توظيفه في سياقات مختلفة.
تكمن خطورة هذا النموذج في «فن التخفي» لا في المواجهة، فهو لا يطرق الأبواب بل يتسلل بصمت، ولا يكشف عن نواياه بل يتصرف بعفوية مدروسة، يتقن لغة الانتماء حد الاحتراف، يحضر في المناسبات، ويردد الشعارات ببراعة، ويجيد الظهور في التوقيت المناسب، لكن هذا القناع الذي يظن صاحبه أنه يخفيه لن يستمر طويلاً أمام يقظة العيون الساهرة، التي لا تخدع بالمظاهر، فالبوصلة التي لم تكن يوماً تشير إلى اتجاه الوطن، كانت مكشوفة ومرصودة بدقة، ليجد نفسه عارياً من كل مبرراته أمام تلك الفطنة التي تدرك الفرق بين الولاء الصادق وبين تمثيل الانتماء، مهما بلغت براعة المؤدي.
إن المسألة هنا ليست مجرد موقف عابر، بل هي ولاء منقسم لا يمكن أن يستقيم مع منطق الأوطان، فالولاء في جوهره قيمة لا تقبل القسمة، ومن يحاول توزيع انتمائه بين اتجاهين متناقضين، فقد حسم خياره فعلياً ضد وطنه، وإن لم يعلن عن ذلك صراحة، فالأوطان التي تعيش استقراراً كالإمارات ولله الحمد والشكر، لم تصل إلى هذه القوة بالصدفة، بل كان ذلك نتاج يقظة مستمرة وقدرة على التمييز بين الصدق والتظاهر.
واليوم نرى الدور الذي تقوم به العديد من الجهات في التوعية عبر الإعلام وخطب الجمعة والمنصات المختلفة، مؤكدة على معنى الانتماء الحقيقي وخطورة هذا النموذج المتخفي، لكن هذا الدور لا يكتمل إلا حين يمتد إلى داخل كل بيت، حيث تقع على عاتق الآباء مسؤولية ترسيخ هذا الوعي في نفوس الأبناء، وتعليمهم معنى الانتماء الحقيقي، لأن الخطر لا يبدأ من فعل واضح، بل من فكرة تزرع بهدوء، ومن وعي يترك دون توجيه.
وهنا تختصر الفكرة كلها الوطن لا يحتاج كلمات تملأ الفضاء،بل يحتاج موقفاً ثابتاً كالجبال حين لا يراك أحد.
