الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

دانه الظاهري.. حكاية الجمال في صمت الصحراء

25 أبريل 2026 23:31 مساء | آخر تحديث: 25 أبريل 23:33 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
icon الخلاصة icon
لوحة دانه الظاهري تستحضر المها رمز الجمال والصمود بتكوين مركزي هادئ، توازن خطي ولوني وضوء خافت يعمّق الحضور والرمزية
تعتبر المها العربية في التراث الإماراتي والخليجي رمزاً للجمال والصمود، فارتبطت عبر الذاكرة المحلية بصفاء الصحراء ونقائها، وبقدرة الكائن الحي على التكيف مع قسوة البيئة وشحّ الموارد، وقد تغنّى الشعراء بعيون المها الواسعة التي أصبحت استعارة راسخة في وصف الجمال، وفي الفن التشكيلي، استعاد الفنانون صورة المها كنعصر بصري يجمع بين الواقعي والرمزي.
وقد ظهرت المها في اللوحات والمنحوتات محاطة بفضاءات لونية صحراوية، أو بتجريدات حديثة تستلهم انسيابية خطوطه، ورشاقة حركته. هذا السياق تقدم الفنانة دانه الظاهري لوحة تتمحور حول المها العربية، الأيقونة التراثية والثقافية، ومنذ النظرة الأولى، تبدو لنا اللوحة وكأنها تلتقط لحظة سكون المها في قلب الصحراء، واقفة في وضع جانبي، ملتفتة برأسها إلى الخلف، في حركة تجمع بين الحذر والترقب، وهذا الاختيار الحركي البسيط يمنح العمل بعداً سردياً جميلاً ليفتح باب التأويل أمام المتلقي حول سبب هذه الحركة الحذرة.

إيقاع بصري

في هذا العمل التشكيلي تتكئ الفنانة على الهدوء البصري، وحسن استثمار الرمزية المحلية، حيث تقوم بنية التكوين على مركزية واضحة، فالمها تحتل المساحة الأساسية في  اللوحة، مع خلفية رملية صحراوية، تكسر حدتها شجيرة صحراوية خضراء، ورغم قلة العناصر التشكيلية تترك اللوحة المجال للعين كي تركز على الكتلة الرئيسة، وفي الوقت ذاته، توازن بين الخطوط الرأسية لأرجل الحيوان وبين انسيابية القرون الطويلة المقوسة، لتخلق إيقاعاً بصرياً مدهشا بين الصلابة والحركة.
هذا التكوين بفنيته العالية يكشف عن يد متمكنة تعرف كيف توازن بين الدقة والاختزال، حيث نعومة الخطوط وحركة الفرشاة مع براعة وإتقان مناطق الانتقال اللوني على جسد الحيوان، فلا تكاد ترى الحدود بين لون وآخر، كما أن ترك المساحة الواسعة في الخلفية يخلق تبايناً يثري العمل بصريا، حيث دقة تفاصيل المها وهدوء الخلفية، ما يعزز من حضورها وقيمتها البصرية. وتنجح الظاهري في تقديم قراءة معاصرة لرمز تقليدي متجذر في الذاكرة الإماراتية والخليجية، فتظهر المها كحامل لذاكرة الصحراء، وسردياتها المرتبطة بالصيد والبقاء، والتكيف مع الطبيعة القاسية، وفي هذا السياق، يستعيد العمل حضور المها ككائن شكّل جزءاً من الحياة اليومية والذاكرة الشعبية، قبل أن يتحول في العصر الحديث إلى رمز وطني يعكس جهود الدولة في حماية البيئة، 

توازن

اختارت الظاهري أن تتجنب الإفراط في التفاصيل، مفضلة الرهان على قوة الموضوع ذاته، وعلى الطاقة التعبيرية الكامنة في اللون والضوء، لتمنح العمل طابعاً بصرياً يندرج ضمن سياق فني معاصر يسعى إلى إعادة قراءة العناصر المحلية بلغة تشكيلية حديثة، هذا التوجه يستحضر المها كائناً جمالياً، ويعيد صياغته كرمز بصري مشحون بالدلالات، حيث يتحول الجسد إلى مساحة لالتقاء الحس الواقعي بالمعالجة التأملية.
على مستوى اللون، اشتغلت الفنانة على طيف واسع من الأبيض، موظفة تدرجاته الدقيقة وانعكاساته الظلية لتمنح جسد المها كثافة ملموسة، وحضوراً شبه نحتي، ويتدرج اللون من الأبيض الناصع في مناطق الضوء إلى الرمادي الهادئ، وصولاً إلى لمسات داكنة عند الأطراف، ما يسهم في إبراز تفاصيل العضلات، وتعزيز الإحساس بالحيوية والواقعية، في المقابل، جاءت الخلفية بألوان رملية وبنية دافئة، لتشكل امتداداً عضوياً للبيئة الصحراوية، وتخلق توازناً لونياً دقيقاً يربط الكائن بمحيطه.
أما على مستوى الضوء، فقد برزت مهارة الظاهري في توظيف إضاءة خافتة مائلة من جانب واحد، بحيث تنساب على جسد المها فتبرز انحناءاتها، وتترك أجزاء أخرى شبه معتمة، في توزيع ضوئي ذكي يعمق الإحساس بالبعد الثلاثي والكتلة، كما تضيف الظلال الخفيفة أسفل الأرجل ثباتاً بصرياً يعزز حضور الحيوان داخل الفضاء، ويمنح المشهد واقعية تتقاطع فيها الدقة التقنية مع الحس التأملي.

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه