أسفرت جهود هيئة الإعلام الإبداعي في أبوظبي خلال السنوات الماضية، في تعزيز موقع الإمارة على خريطة السينما العالمية التي استفادت من توافر موقع التصوير، وحوافز أخرى داعمة للإبداع، وتسهم، بشكل عام، في تعزيز محتواه.
وتأسيساً على النجاحات المرتبطة بأفلام عالمية صورت في أبوظبي، وأحدثها الجزء الثالث من فيلم Dune المتوقع بدء عروضه نهاية العام، تواصل الإمارة جذب اهتمام الأسواق العالمية، مع مشاريع قيد التطوير والقيام بجولات تعريفية للمنتجين.
تتمثّل مهمة هيئة الإعلام الإبداعي في تعزيز صناعة المحتوى الإبداعي في أبوظبي، من خلال تمكين صُنّاعه عبر التوجيه الاستراتيجي، وتطوير المواهب، والدعم المالي، وتوفير بيئة تنظيمية عالمية المستوى. وتهدف الهيئة إلى ضمان توفير البيئة الإبداعية التي تُمكن صُنّاع المحتوى من الازدهار، وتشمل مهامها الإشراف على الجهات والمبادرات الاستراتيجية، ضمن الصناعات الإبداعية في أبوظبي مثل «إيمج نيشن» و«لجنة أبوظبي للأفلام» إضافة إلى برامج التدريب والتطوير مثل «المختبر الإبداعي» و«استوديو الفيلم العربي».
خالد خوري
سمير الجابري
حول جاذبية الإمارة وجهة للإنتاجات السينمائية الدولية، يقول سمير الجابري، رئيس لجنة أبوظبي للأفلام: تبحث الإنتاجات العالمية عادةً عن ثلاثة عناصر رئيسية: الحجم الإنتاجي، والوضوح التنظيمي، والتنوع البصري. وفي أبوظبي، تتكامل هذه العناصر ضمن منظومة تشغيلية تتيح للمنتجين تنفيذ مشاريعهم بكفاءة عالية دون الحاجة إلى التعامل مع جهات متعددة.
وتوفّر الإمارة تنقلاً سلساً بين مواقع تصوير متنوعة، من صحراء ليوا إلى الواجهات البحرية، ومن الأفق الحضري الحديث إلى المناطق الصناعية، وصولاً إلى معالم بارزة مثل متحف اللوفر أبوظبي، وحلبة مرسى ياس، وكل ذلك ضمن نطاق جغرافي محدود، يختصر أوقات التنقل ويعزز كفاءة الإنتاج. وتسهم هذه المرونة في تسهيل العمليات اللوجستية والحفاظ على الميزانيات الإنتاجية.
وتضم أبوظبي أيضاً مرافق استوديوهات متقدمة ومواقع تصوير خارجية مخصصة (Backlot)، تتيح تنفيذ مشاهد في بيئات يمكن التحكم بها، ما يتيح للإنتاجات إنجاز مراحل أكبر من العمل داخل الإمارة.
وكانت أبوظبي من أوائل المدن في المنطقة التي أطلقت برنامج الاسترداد النقدي عام 2013، وشهد تحديثات مهمة في 2024، فارتفعت نسبة الاسترداد الأساسية إلى أكثر من 35% مع إمكانية الوصول إلى 50% وفق معايير محددة، إلى جانب توسيع نطاق الإنتاجات المؤهلة للاستفادة من مزايا البرنامج.
واستضافت الإمارة عدداً من الإنتاجات العالمية البارزة، مثل F1: The Movie وNow You See Me: Now You Don’t وWar 2، إضافة إلى تصوير الجزء الثالث من فيلم Dune في صحراء ليوا، ما يعكس الثقة المستمرة بقدرات أبوظبي في استضافة إنتاجات عالمية معقدة.
ويشير سمير الجابري إلى تمتع أبوظبي بتنوع جغرافي ومعماري استثنائي ضمن نطاق إنتاجي قابل للإدارة، لافتاً إلى أن مواقع التصوير، تشمل صحراء ليوا والمناظر الجبلية في منطقة العين، والسواحل، وأشجار القرم، إضافة إلى المناطق الصناعية والمرافق الحيوية والمعالم الثقافية في جزيرة السعديات.
ويضيف: نجحت الإمارة في تجسيد مواقع متعددة حول العالم على الشاشة، من مدن عربية وآسيوية إلى بيئات أوروبية وأمريكية، وصولاً إلى عوالم خيالية. ويمكن القول إن أبوظبي جسّدت معظم قارات العالم سينمائياً، باستثناء القارة القطبية الجنوبية، وهو أمر مفهوم بطبيعة الحال.
ولا يقتصر التميز على تنوع المواقع، بل يمتد إلى البنية التحتية المتكاملة، وإمكانية إصدار التصاريح، وتنسيق المواقع بشكل مركزي، ما يعزز الالتزام بالجداول الزمنية، ويمنح المنتجين درجة عالية من الوضوح والثقة.
أبرز الأعمال
وفق سمير الجابري، شهدت أبوظبي إنجاز مشاريع إنتاجية ضخمة، من أبرزها F1: The Movie، الذي صُوِّر خلال عطلة نهائية أسبوع سباق جائزة أبوظبي الكبرى للفورمولا 1 بشكل مباشر، ودمج الفيلم البنية التحتية الحية لسباق الفورمولا 1 في حلبة مرسى ياس مع بيئات استوديوهات منظمة ومرافق الطيران، وجرى التصوير في استوديوهات twofour54 وفي مطار زايد الدولي خلال فترة امتدت 29 يوماً. وكان المشروع إنتاجاً معقداً جرى تنفيذه بسلاسة عالية. كذلك، استخدم فيلم War 2 مواقع مثل شاطئ الراحة وحلبة مرسى ياس، ما عزز مكانة أبوظبي موقعاً مثالياً لتصوير مشاهد أفلام الأكشن في المناطق الحضرية والساحلية.
ويضيف: في2025، استضافت الإمارة أيضاً تصوير الجزء الثالث من فيلم Dune بعد نجاح تصوير الجزأين السابقين. وتعكس عودة هذه السلسلة السينمائية قدرة أبوظبي على توفير البيئات الصحراوية الواسعة والمساحة المرئية الكبيرة والدقة اللوجستية اللازمة في الإنتاجات العالمية التي تستلزم متطلبات تقنية عالية.
وتسهم هذه المشاريع في نقل المعرفة، ودعم الموردين المحليين، وتعزيز مكانة أبوظبي على الخريطة السينمائية العالمية.
دعم
لا تنفصل هذه النجاحات عن الحوافز المتاحة للإنتاجات في الإمارة، وعنها يقول سمير الجابري: أطلقت لجنة أبوظبي للأفلام برنامج خصم الاسترداد النقدي في عام 2013، والذي دعم منذ ذلك الحين أكثر من 180 إنتاجاً رئيسياً، ما يجعله من أبرز برامج الاسترداد النقدي في المنطقة. وخلال معرض MIPCOM في أكتوبر/تشرين الأول 2024 أعلنت اللجنة عن تحديث كبير للبرنامج دخل حيز التنفيذ في 1 يناير 2025، فارتفعت نسبة الاسترداد الأساسية. ويرتبط هذا النظام بمؤشرات قابلة للقياس داخل السوق، مثل الإنفاق على الإنتاج المحلي، وتوظيف الممثلين والكوادر المحليين وغيرها من المعايير التي تسهم في تنمية المنظومة الإنتاجية. كما تتيح هذه الآلية للمنتجين تقدير العوائد المحتملة من الحوافز بشفافية ووضوح، مع تحفيز مستويات أعمق من المشاركة الإنتاجية داخل الإمارة. كما توسع نطاق الإنتاجات المؤهلة ليشمل الأفلام الروائية الطويلة، والمسلسلات ذات الإنتاج الضخم، والبث المباشر عبر المنصات الرقمية، والمحتوى القصير، وبرامج تلفزيون الواقع، والرسوم المتحركة. ورفعنا الحدود المالية للمشاريع الكبرى، بما يسمح للإنتاجات الضخمة بالاستفادة القصوى من البرنامج.
ترسيخ المكانة
يؤكد سمير الجابري أن أبوظبي أثبتت قدرتها على استضافة إنتاجات متعددة ومعقدة في الوقت نفسه، ضمن بيئة تشغيلية مستقرة ومدعومة ببنية تحتية قوية وكوادر تمتلك الخبرات والمعرفة اللازمة، ما جعل الإمارة نقطة ارتكاز موثوقة للمنتجين، ليس فقط للتصوير المحلي، بل أيضاً قاعدة تنسيق إقليمي للإنتاج.
نمو
في ما يتعلق بمنظومة الإنتاج المحلية، يقول خالد خوري، مدير إدارة تطوير الأعمال في هيئة الإعلام الإبداعي: شهدت هذه المنظومة نمواً ملحوظاً من حيث الحجم والقدرات، فارتفع عدد شركات الإنتاج وتوسعت قاعدة الكوادر المتخصصة. والأهم من ذلك تطور العمق التقني، إذ أصبحت الكفاءات المحلية قادرة على إدارة إنتاجات معقدة في بيئات متنوعة.
كما تدعم شركات عالمية مثل Gamma Engineering توفر أحدث المعدات محلياً، بينما تعزز أخرى مثل T-VFX خدمات ما بعد الإنتاج، ما يتيح تنفيذ مراحل رئيسية من دورة الإنتاج داخل الإمارة.
ويرى خالد خوري أن العام الجاري يحمل فرصاً واعدة، مع تبسيط الإجراءات الإنتاجية وتعزيز الكفاءة التشغيلية، ما يعزز ثقة الشركاء الدوليين. ويؤكد أن أبوظبي مستمرة في جذب اهتمام الأسواق العالمية، مع مشاريع قيد التطوير والقيام بجولات تعريفية للمنتجين. وتوقع أن يسهم إصدار الجزء الثالث من فيلم «Dune» نهاية 2026 في تعزيز الحضور العالمي للإمارة. ويشير إلى أن التوجه العام للهيئة يركز على تحقيق نمو مستدام، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز القدرات المحلية في الإمارة.