من اعتاد على مشاهدة الأفلام والمسلسلات العربية المبنية على قصص واقعية، يعلم جيداً أنه سيقرأ تنويهاً في بداية ونهاية العمل إلى أنه مستوحى من أحداث حقيقية، لكن كل شخصياته، وأحداثه، والأماكن، والأسماء، هي من نسج الخيال، وأن أيّ تشابه بينها وبين الحقيقة هو محض صدفة. وبتنا نفهم أن العبارة هي المَخرج الأسلم لصناع السينما والدراما للتمكن من العمل بحرية، وإخلاء مسؤوليتهم أمام أيّ جهة قد تعترض على ما يقدمونه، أو أيّ مساءلة قانونية، وهو ما لجأ إليه محمد صلاح العزب في أول أعماله الإخراجية والسينمائية، فيلم «سفاح التجمع»، المعروض في الصالات، والذي يستند فيه إلى قصة حقيقية، مع تعديلات درامية وإضافات، منها ما جاء منطقياً ومتناسقاً مع القصة، ومنها ما أضعف الفيلم من الناحية الإخراجية.
عرفنا محمد صلاح العزب مؤلفاً لمسلسلات بعضها نال نجاحاً، ومنها ما جاء متوسطاً، مثل «دلع بنات» و«حالة عشق» مع مي عز الدين، «أزمة نسب» بطولة زينة، «النمر» و«هوجان» و«الكينج» لمحمد إمام، وطبعاً مسلسل الجريمة القصير «سفاح الجيزة» الذي أخرجه هادي الباجوري، ومن بطولة أحمد فهمي.
يدخل العزب اليوم تجربة مشابهة، إنما هذه المرة كتابة وإخراجاً بفيلم الجريمة «سفاح التجمع»، فيكتب ولادته في عالمَي الإخراج والسينما كخطوة تُحسب له، وتبقى ناقصة بسبب بعض النقاط التي تسببت بجعل الفيلم مقبولاً بين أفلام الجريمة العربية، مع افتقاد لتماسك في سرد القصة، وتسلسل الأحداث التي تتقدم بالزمن حيناً، وتعود بال«فلاش باك» أحياناً كثيرة، بتقطع غير منطقي يجعل الجمهور حائراً، ومستنداً إلى الاستنتاج لما حصل، ومسيرة حياة السفاح، وجرائمه التي تبدو أيضاً غير متتالية بشكل واضح.
ضجة
«سفاح التجمع» نال نصيباً كبيراً من الشهرة عندما تم سحبه من الصالات، مع بدء عرضه في مصر، وأثيرت حوله الأقاويل والتكهنات وخرجت الأصوات المدافعة عنه وعن حرية الإبداع والفن، ورفض سلطة الرقابة على الأعمال الفنية، لنفاجأ بعدها بانطلاق عرضه مجدداً وانتشاره عربياً، ما أسهم في زيادة رغبة الجمهور في مشاهدته. هذه الضجة أثارت فضول الجمهور، خصوصاً أن قصة الفيلم تتناول، بشكل مباشر أو غير مباشر، قصة سفاح التجمع كريم سليم (37 عاماً)، حامل الجنسيتين المصرية والأمريكية، والذي استدرج فتيات صغيرات إلى شقته في منطقة التجمع الخامس بالقاهرة، وقام بتعذيبهن داخل غرفة عازلة للصوت، وتصويرهن فيديو، وقتلهن ثم رمي جثامينهن في الصحراء، وتبين في التحقيقات أنه يعاني شذوذاً واضطراباً نفسياً، ثم صدر حكم بإعدامه.
محمد صلاح العزب عدّل ببعض التفاصيل لكن المحور العام هو نفسه، شريف نصار (أحمد الفيشاوي) شاب عاش في كندا، ولكنته يبدو منها أنه يميل للحديث بالانجليزية كثيراً، بداية نراه مع فتاة اسمها آلاء (جيسيكا حسام الدين)، تبدو منحرفة، تخبره أنها هربت من بيت أبيها بسبب خلافات، وأنها نادمة وتريد العودة إليه، لكن شريف الذي يبدو متعاطفاً معها ويأتي بها إلى منزله من أجل أن تحتفل معه بعيد ميلاده، ينقلب فجأة إلى شخص مخيف، يضع قناعاً أبيض ويرتدي ما يشبه المعطف الطويل الأبيض ويقوم بخنقها ثم تصويرها أثناء الاعتداء عليها، ومن بعدها التخلص منها في إحدى المناطق الصحراوية.
قطع متناثرة
يُدخلنا المخرج إلى عالم هذا السفاح بمقاطع تبدو كأنها «بازل» قطع متناثرة علينا، ربطها ببعضها ابعضاً كي تكتمل الصورة، وتتضح الحكاية. مرة نرى شريف سفاحاً، ونكتشف أن لديه طفلة يضع لها مادة في مشروب يعدّه لها كي تغفو، ولا تتمكن من رؤية أو سماع أي شيء مما يحصل خلال ارتكابه جرائمه، ثم نراه جالساً أمام وكيل النيابة (نور محمود)، يعترف بجرائمه أثناء التحقيق معه، ثم تدخل أم شمس (انتصار)، القوادة التي تجلب له الفتيات حتى منزله والتي تعترف أمام النائب العام بأنها لا تعلم شيئاً عن اختفاء الفتيات وقتلهن، بعبارة أرادها المؤلف ساخرة «نجاسة آه، بس دم لا».
يحوّل العزب فيلمه إلى مجموعة قصص تفصل بينها عناوين تعريفية، فالضحية الثانية عنوانها «مريم الجريمة الكاملة»، حيث يعيش شريف قصة حب مع مريم (سينتيا خليفة) التي تطاوعه في كل شيء حتى في ساديّته، وهنا يحاول المخرج تقديم وجهَي القبول والرفض لدى مريم، الرضوخ والخوف، من خلال مشاهد متتالية توافق فيها وترفض، في آن واحد، تستسلم مبتسمة، وترتعش خائفة، بمونتاج يعتمد على ذكاء الجمهور في الفهم والربط والتحليل. تطول العلاقة مع مريم ثم نفهم أنهما تزوجا، وأنجبت منه ابنتهما سارة، لكن أحوالها تزداد سوءاً حتى تلجأ إلى الهروب مع ابنتها، من دون أن تتمكن من حمايتها، بل يقوم شريف باختطافها من الحضانة ويتولى تربيتها بنفسه.
في هذه الأثناء تظهر والدته جيهان (صابرين)، السيدة القوية المحجبة والحريصة على الالتزام بالدين، وإعطاء الأوامر لابنها بحسم وقسوة، وهي مجرّدة من أيّ عاطفة، ثم تفاجئ ابنها بأنها تزوجت من صديقه خالد، الذي نكتشف لاحقاً أنها كانت على علاقة معه عندما كانت تعيش مع ابنها في كندا. هنا تبدأ الخيوط النفسية بالظهور بوضوح، فمن وقت لآخر يمرر المخرج مشاهد لطفل يرى من خلف الباب أمه وأباه يشاهدان أفلاماً إباحية، ويمنعانه من رؤيتها، لكن أمه تحتفظ بها على شرائط فيديو يشاهدها الطفل وحده لاحقاً، وكل مشاهدة تكون مرتبطة بوجبة الجمبري التي كانت تعدها أمه لأبيه.ربط المؤلف بين سلوكات الأم وانحرافها وتعدّد علاقاتها لاحقاً، بالعقدة النفسية التي نشأت لدى الطفل، ورغبته في الانتقام منها، خصوصاً أنها امرأة تجعل التديّن ستاراً، وتجبر ابنها على الصلاة بينما سلوكاتها مرفوضة، ومنها علاقتها بصديق ابنها خالد التي بدأت في كندا، واستمرت في مصر قبل أن تتزوج منه. ونكتشف لاحقاً أنها كانت شاهدة على قتل ابنها لفتاة في كندا، ودفنها في حديقة المنزل قبل أن تصطحبه هرباً إلى مصر، وتنكر أمام النائب العام معرفتها بأيّ سلوك شاذ لابنها، وبأية جريمة، مدعية أنه كان سليماً، ولا تعلم ما الذي حصل له في مصر.
عقدة متوارثة
يعاني شريف «عقدة أوريست»، وهو مصطلح نفسي مستوحى من الأسطورة اليونانية، يُطلق على من يرغب في قتل أمه فيكره كل النساء، ويعتبرهن كلهن خائنات ويستحققن القتل. ويذهب المؤلف إلى نقل تلك العقدة بالتوارث منه إلى ابنته التي ينتهي بها الفيلم في مشهد يشير إلى مشاهدتها نفس نوعية الأفلام، وتأكل الجمبري، وتضع أحمر الشفاه، وعلى رجلها دمغة «تاتو» كان يضعها والدها على أسفل رجل كل ضحية مكتوب عليها بالانجليزية «فاميلي»، أي «عائلة»، في إشارة إلى الاختلال النفسي الذي يعانيه شريف الذي قال خلال التحقيق عبارة «العائلة تأتي أولاً».
يكثر المخرج من العودة إلى الماضي والقفز إلى الحاضر، وبينهما قصص شريف مع ضحاياه، فتاة ليل لم نكتشف الكثير عنها حاولت الدفاع عن نفسها لكنها فشلت، وفقرة بعنوان «دنيا حب عمر حمادة توكتوك» أدتها مريم الجندي لامرأة تعمل في الدعارة وبعلم زوجها، لكي تعيله وتعيل ابنتها، ثم رانيا (آية سليم) التي أحبها بسبب حسن معاملتها لابنته سارة، وعاشت معه وطلب منها الزواج قبل أن يقتلها مثل سابقاتها.
كخطوة أولى في السينما، حقق محمد صلاح العزب نجاحاً محدوداً، واختياره للفنان أحمد الفيشاوي لأداء دور شريف الأجنبي اللكنة، والذي يعاني عقدة نفسية، جاء مناسباً خصوصاً أن الفيشاوي مناسب في تركيبته البدنية وال«تاتو» في جسده وأسلوب كلامه لتلك المواصفات، ولا يحتاج إلى مجهود كبير للاقتراب من الشخصية، وصابرين أيضاً توافقت مع متطلبات الشخصية، بينما جاء ظهور باقي الشخصيات غير عميق، لأن مرور كل منها كان سريعاً.