صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
مارلين سلوم
كاتبة وناقدة سينمائية.
أحدث مقالات مارلين سلوم
2 يونيو 2026
هيبة المعلم

كثيراً ما نتساءل عن أسباب تراجع دور التربية وكأنها كانت مرتبطة بزمن الورقة والقلم وزمن إعلاء الأخلاق ووضعها في قائمة الأولويات والتمسك بالقيم وممارستها وتطبيقها واحترام الآخرين وخصوصاً الأكبر سناً والمعلم ووضعه في مكانة توازي مكانة الأب.. وكأن تطور التقنيات التي نستخدمها والتي تتيح لنا الانفتاح على العالم بشكل واسع والانجراف خلف تيارات الترند والتيك توك وتقليد الآخرين حتى في التنمر وفي اتباع سلوكيات غريبة، والاستسلام لفكرة «هذا الجيل مختلف» التي اتخذها بعض الأهالي كذريعة لتبرير كسلهم وإهمالهم في تربية أبنائهم وتوجيههم ومراقبة وتعديل سلوكياتهم! كل تلك النقاط أدخلتنا في دوامة تراجع القيم، وانهيار هرم مقامات الناس وانحدار الأخلاق.

التنمر ليس حديث الولادة في المجتمعات، لكنه صار الأكثر انتشاراً وتطبيقاً، والأكثر فجاجة في سلوكيات الناس، وفي التقرير البرلماني الذي اعتمده المجلس الوطني الاتحادي ما يجعلنا نتفاءل في ظل تكرار الحرص على الحفاظ على القيم والمبادئ والأخلاق، وعلى استعادة مكانة المعلّم في المدارس وفي المجتمع، من خلال «إعداد محتوى علمي تلتزم به المدارس في كل المراحل الدراسية، وإعداد محتوى إعلامي يستهدف أولياء الأمور والطلبة، بالتعاون مع الجهات الإعلامية».

ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي تضع فيها الإمارات خططاً وتحرص على تطبيقها في المدارس وفي المجتمع من أجل استعادة مكانة المعلّم والحفاظ على دوره الثمين في المنظومة التعليمية والتربويّة على حد سواء، وعدم السماح بالمساس به وبكرامته وبمكانته، فهو من يكمل دور الأب (والأم) في المدرسة ويترك أثراً كبيراً في تربية وتوجيه وتعليم الطلاب، واحترام المعلم لا يتحقق إذا لم تكتمل كافة الجهود وتتوحد الكلمة في إعادة الهيبة للمعلم واحترامه كما يليق به وبدوره التربوي.

استعادة هيبة المعلّم ضرورة ملحّة وليست رفاهية ولا يمكن التراجع عنها إذا أردنا تحقيق توازن في المجتمع، والمهمة اليوم أصعب من أي وقت مضى، لأن العوامل الخارجية تلعب دوراً مهماً في توجيه الرأي العام باتجاهات قد تتناقض مع مبادئ المجتمع والمبادئ والقيم التي يسعى أولياء الأمور إلى ترسيخها في نفوس أبنائهم، وحين نتحدث عن أهمية الحفاظ على دور المعلّم واحترام مكانته، فنحن نتحدث عن أهمية الحفاظ على سلامة المجتمع وعلى أهمية ترسيخ القيم الأخلاقية لدى الأطفال والشباب.

العبرة في ما توصلت إليه لجنة شؤون التعليم والثقافة والشباب والرياضة والإعلام، بالاسترشاد بتجارب الدول الأخرى، وكيف تعاملت مع مكانة المعلم واحترامه في المجتمع، حيث تبين لها «أن دولاً اعتبرت المعلّم أساس انطلاق الدولة وتقدمها، لكونه حجر الزاوية للمنظومة التعليمية. ووضعته في مرتبة عالية».

[email protected]

26 مايو 2026
كالبنيان المرصوص

ما يشهده العالم من تراجع في نسب الزواج وتزايد في الطلاق يجعلنا نفكر في شكل المستقبل، ترى كيف سيعيش أبناؤنا وأحفادنا وكيف ستكون تلك المجتمعات والعلاقات بين البشر في ظل التفكك الأسري؟ وهل ستتلاشى قدسية الحياة الأسرية والتمسك بالهرم العائلي القائم على التوازن في ظل وجود الأم والأب وترابط الأخوّة بين الأبناء؟.

مخيفة الأرقام التي تقول مثلاً أن لوكسمبورغ التي تتصدر دول العالم تصل فيها نسب الطلاق إلى ٨٧٪، وتليها إسبانيا ٦٥٪ ثم فرنسا ٥٥٪، وتلحق بهما الولايات المتحدة الأمريكية بنسبة ٤٦٪، التفكك هذا لا يبقى محصوراً خلف جدران البيوت بل ينعكس على المجتمع وعلى سلوكيات الناس والمعاناة النفسية وعدم الاستقرار والعزوف شيئاً فشيئاً عن الارتباط وتكوين أسرة.

لا يمكن الفصل بين أحوال البيوت وأحوال المجتمعات، فالمعاناة في العيش تنعكس سلباً على استقرار ورفاهية الأسرة، وتنعكس على مستوى التعليم وعلى توفر السكن اللائق وفرص العمل والطبابة والترفيه.. لذلك حين نقول إن نسبة الاستقرار والترابط الأسري في دبي عالية تصل إلى ٩٥ وفق المسح الاجتماعي الأخير الذي أعلنته هيئة تنمية المجتمع في دبي، فإن الرقم يأتي وفق سياق طبيعي لما توفره دبي من استقرار وتنمية وجودة حياة تمنح العائلات فرصاً كبيرة للعيش باطمئنان والتفرغ لتربية الأبناء وللترابط داخل الأسرة.

ليست الرفاهية والأمان والأنشطة الاجتماعية والحدائق وأماكن الترفيه التي توفرها الإمارات لأبنائها وكل المقيمين فيها وحدها نواة هذا الاستقرار العائلي، بل هي تتميز بما تفتقده دول متقدمة كثيرة، حرص الشيوخ والقادة والمسؤولين على جعل الأسرة ضمن الأولويات، وتخصيص الكثير من الدعم لها في كافة المجالات، بل تخصيص عام ليحمل اسم «عام الأسرة» فتتركز فيه الأنشطة والفعاليات من أجل بذل الجهود في سبيل استدامة الحياة الأسرية الكريمة، بل إن الرعاية الأبوية من القادة التي يجدها أبناء وسكان الإمارات لا تتوفر في غالبية الدول.

وهنا نتوقف عند بعض ما قالته قرينة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي رئيسة مجلس الشارقة للأسرة والمجتمع، بمناسبة اليوم الدولي للأسر الذي صادف يوم ١٥ من مايو الجاري: «تذكروا من حمل عنكم الأعباء وكان معكم في الشدة والرخاء فكونوا لبعضكم عزاً وسنداً فالمحافظة على الأسرة واجب وطني وإنساني فلنعمل على حمايتها وتقديرها ولنكن دائماً كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً».. وهي كلمات ونصائح ثمينة تعكس رعاية واحتضاناً حقيقياً وحرصاً نادراً لا نجده في كل مكان ولا يصدر إلا من قادة يسمون بمشاعرهم وقيمهم الإنسانية.

[email protected]

19 مايو 2026
صديقة الطفل وحاضنة الأسرة

منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» جددت شهادة الاعتراف بالشارقة مدينة صديقة للطفل، لكن الشارقة في عيون كل من عاش فيها وعرفها تستحق، منذ زمن، أن تحمل هذا اللقب دون أن يكون له مدة صلاحية ودون أن يحتاج إلى تجديد أو حتى البحث عن استمرارية توفر كل ما يجعلها «إمارة صديقة للطفل والعائلة»، وهو اللقب الذي حصلت عليه في نوفمبر 2025.

كل من عاش ويعيش في الشارقة يشعر بالاطمئنان والأمان وبدفء احتضان أسريّ، ينبع من فكر وقيم ومبادئ وضعها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وهي من الثوابت التي لن تتغير بل كنا على ثقة بأنها ستواكب الزمن في التطور وفي توفير المزيد من الراحة والرعاية للعائلات وللأطفال.

سنوات والشارقة تعمل على ترسيخ مفهوم الرعاية الأسرية، وهل هناك أكثر من تلك الرعاية الفعلية التي يحتضن فيها صاحب السمو حاكم الشارقة كل أبناء هذه المدينة والمقيمين فيها بمتابعته اليومية وبشكل مباشر للشكاوى ومبادرته الكريمة لتوفير الحلول وتيسير الأمور وتسهيل الحياة للناس؟

الطفل والأسرة والعلم والكتاب والقراءة واللغة العربية والسلامة.. قضايا لا ترفعها الشارقة كشعارات ولا تخلق لها مناسبات ومهرجانات وأنشطة ومنتديات من باب التنويع أو لفت الأنظار أو افتعال ضجة.. بل هي نقاط أساسية تضعها لفتح قضايا مهمة تعنينا جميعاً، ولفتح أبواب جديدة تنير دروب وعقول الأطفال والآباء والأمهات والشباب أيضاً، وكل حدث وكل باب يمنحنا فرصاً كبيرة لتحقيق خطوات إيجابية نحو مستقبل أكثر إشراقاً واستدامة، وحين نعود إلى كلمات صاحب السمو حاكم الشارقة التي يتوجه فيها إلى الناس نجد فيها لغة أبوية حاضنة وحكمة وصدقاً متناهياً.

رعاية أبوية تقابلها رعاية سامية من قبل سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، قرينة صاحب السمو حاكم الشارقة، رئيسة مجلس الشارقة للأسرة والمجتمع، التي لا تترك مناسبة إلا وتتوجه فيها إلى الأسرة والأبناء بالنصيحة المخلصة وبالعمل الدؤوب على توفير الرعاية اللازمة لهم. ومما قالته مثلاً في منتدى سلامة الطفل العام الماضي، «الوقاية تبدأ من قلب الأسرة.. وقربكم من أطفالكم الحماية الأعمق والأصدق».. «أوصي كل أب وأم بأن يقضوا وقتاً نوعياً مع أبنائهم.. اصغوا لمشاعرهم»..

الشارقة حاضنة للطفل، بل هي حاضنة للأسرة ولكل فرد منها، وكونها صديقة للطفل وللأم والأب وللشباب، فهذا لا يعني أنها توفر بيئة آمنة ونظيفة وممتعة للعيش فقط، بل يعني أنها البيت الدافئ الذي يبحث عنه كل إنسان ليشعر بالسكينة ويطمئن قلبه فيركز كل جهوده في العمل والعِلم وبناء الأسرة والمجتمع وبناء المستقبل.

[email protected]

12 مايو 2026
عين جديدة وأمل جديد

لا تحصى ولا تعدّ مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية؛ تنافس نفسها ولا يمكن للآخرين منافستها في تنوعها وفي إنسانيتها وسعة انتشارها، ولا تكتفي بالوقوف عند حدود الاحتياجات التقليدية والمعروفة والشائعة لدى الناس، بل بحثت عن أمراض نادرة واحتياجات صعبة لأشخاص يعانونها في بقاع مختلفة من الأرض وبصمت، لنتعرف عبر مؤسسات محمد بن راشد الخيرية، إلى تلك القضايا والأزمات الإنسانية.

كثُر لم يسمعوا من قبل عن «العمى النهري»، وبعد إطلاق صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، المشروع الإنساني الجديد للقضاء على هذا المرض أصبح معلوماً لقطاع عريض. ويعدّ داء «العمى النهري»، أو الأنكوسركية (داء كلابية الذنب)، مرضاً يصيب العين والجلد، وتتركز أغلبية الإصابات في جنوب الصحراء الكبرى في إفريقيا؛ وتصيب القاطنين في مناطق موبوءة غير نظيفة قريبة من الأنهار السريعة الجريان، ويمكن أن تسبب ضعف البصر والعمى الدائم.

المشروع الجديد يستهدف علاج سبعة ملايين، خلال ثلاثة أعوام، تتولى مؤسسة «نور دبي» تنفيذه، انطلاقاً من توزيع الأدوية المناسبة للمصابين بهذا المرض والذين يحتاجون إلى العلاج، وأولئك الذين يحتاجون إلى الوقاية والرعاية الطبيتين، والكشف عن كل المعرّضين للإصابة به، بهدف محاصرة المرض وتقليل مخاطر انتشاره بجانب تولي «نور دبي» تدريب وتأهيل كوادر يتولون الرعاية الصحية لمن يحتاجونها في تلك المناطق.

«نور دبي» التي أسهمت في علاج الكثير من الناس، وشفائهم، منذ تأسيسها في الثالث من سبتمبر 2008، تواصل العمل من أجل مكافحة أي إعاقة بصرية، سواء بالعلاج أو بالعمليات الجراحية، وقد أعادت النور والأمل للملايين في مختلف أنحاء العالم، من دون التوقف عند جنسية أو لون أو انتماء، لأن الهدف هو العمل الإنساني والوصول إلى عالم بلا أمراض عيون وخطر فقدان البصر.. وكما قال الشيخ محمد بن راشد «تمكين البشر عبر مكافحة الظلام الذي يعيشون فيه من أنبل المهام الإنسانية.. وكل عين نعيد لها النور، هي عين جديدة ترى جمال هذا العالم، وهي أمل جديد، وحياة جديدة».

الأحلام كبيرة ولكنها غير مستحيلة، هذا ما تؤكده دبي مراراً، وهذا ما تحثّ الجميع على التمسك به؛ لا مستحيل ما دام هناك من يسعى باستمرار لتوفير حياة أفضل للإنسان، ومن يؤمن بأن العطاء والخير لا حدود لهما، وأن العلاج والعيش بكرامة وأمان وسلام حق لكل إنسان، وخصوصاً من يعاني على وجه هذه الأرض.

5 مايو 2026
حرب أبوية

تكاد تكون أكبر أزمات التربية الحديثة، وأكبر هواجس ومخاوف كل أم وأب أسوياء، التكنولوجيا وحماية الأبناء منها؛ لدرجة أنها تتحول في منازل كثيرة إلى حرب يستعد لها الأهالي بكامل عدتهم في محاولات لإقناع الأطفال بالحد من استخدامها، في مقابل الدفاعات الشرسة التي يمارسها الصغار للهروب من تلك المواجهة والاستمتاع بأكبر وأطول قدر من الوقت مع كافة الوسائل العصرية المتاحة.

الحرب التكنولوجية لا تقتصر على حروب الكبار والمعارك السياسية والعسكرية والأمنية والاستخباراتية، فهناك حرب مدنية أبوية تشهدها معظم البيوت دون استثناء، ويخوضها الآباء بنفس العزيمة والحرص مع اختلاف أساليب المواجهة بين أسرة وأخرى، حتى الملوك والأمراء والمسؤولون يواجهونها أيضاً، منهم مثلاً الأمير ويليام الذي قرأنا أنه يواجه تحديات أبوية معاصرة مع ابنه البكر جورج (12 عاماً)، خلال محاولاته وضع حدود وضوابط لاستخدام التكنولوجيا، وحصر استخدام الشاشات على أوقات محددة، علماً أنه قيل إن ويليام يمنع جورج من امتلاك هاتف ذكي خاص به، رغبة منه في جعل أطفاله الثلاثة يتمكنون من عيش حياة طبيعية بعيداً عن مخاطر التكنولوجيا.

لم يعد التحذير من كثرة استخدام الأطفال للتكنولوجيا والتعامل مع وسائلها بالشكل المستمر والمبالغ فيه وبدون رقابة الأهل هو مجرد تحذير طبي للحفاظ على السلامة الصحية للأطفال، بل أصبحت الأمور الأخرى أكثر خطورة وهدماً للأجيال الجديدة، منها تسلل بعض الشبكات والجهات إلى الأطفال عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع لاستدراجهم واستقطابهم والتأثير في عقولهم وتغذيتها بسموم يصعب اقتلاعها بسهولة إذا لم ينتبه إلى مؤشرات وجودها الأهل.

لا يمكن للحل أن يأتي من باب حجب التكنولوجيا كلياً عن الأطفال والمراهقين، فهو أمر مستحيل وغير واقعي في زمن تتحول فيه معظم آليات العلم والعمل إلى الاعتماد على التقنيات الحديثة وكيفية التعامل معها، لكن الأهم هو تسلح الأهل بالوعي الكافي لفهم تلك المخاطر، وتعلمهم هم أيضاً كيفية استخدام تلك الوسائل ومراقبة ما يشاهده الأبناء وما يستخدمونه ومع من يتواصلون، وحمايتهم من التواصل مع الغرباء ومن التحاور في الغرف المغلقة، ومن إعطاء معلومات شخصية وخاصة لأي كان.

التكنولوجيا واقع الحياة اليوم والمستقبل ولا يمكن الاستغناء عنها، إنما ليس بالضرورة أن نتحول إلى أسرى أو عبيد لها، تتحكم في حياتنا وترسم خط سير وسلوكيات الأطفال، وتبني جداراً عالياً بينهم وبين أهاليهم، وهنا يكمن الخطر الأكبر، وتتراجع العلاقة بين الأبناء وواقعهم ومحيطهم، وتموت تدريجياً العلاقة بين الأهل والأسرة وتتسع الفجوة ليتحول أفراد العائلة الواحدة إلى غرباء.

[email protected]

2 مايو 2026
«سفاح التجمع».. جريمة حقيقية وتعديلات غير موفقة

نجاح محدود في الإخراج لمؤلفه محمد صلاح العزب

من اعتاد على مشاهدة الأفلام والمسلسلات العربية المبنية على قصص واقعية، يعلم جيداً أنه سيقرأ تنويهاً في بداية ونهاية العمل إلى أنه مستوحى من أحداث حقيقية، لكن كل شخصياته، وأحداثه، والأماكن، والأسماء، هي من نسج الخيال، وأن أيّ تشابه بينها وبين الحقيقة هو محض صدفة. وبتنا نفهم أن العبارة هي المَخرج الأسلم لصناع السينما والدراما للتمكن من العمل بحرية، وإخلاء مسؤوليتهم أمام أيّ جهة قد تعترض على ما يقدمونه، أو أيّ مساءلة قانونية، وهو ما لجأ إليه محمد صلاح العزب في أول أعماله الإخراجية والسينمائية، فيلم «سفاح التجمع»، المعروض في الصالات، والذي يستند فيه إلى قصة حقيقية، مع تعديلات درامية وإضافات، منها ما جاء منطقياً ومتناسقاً مع القصة، ومنها ما أضعف الفيلم من الناحية الإخراجية.

عرفنا محمد صلاح العزب مؤلفاً لمسلسلات بعضها نال نجاحاً، ومنها ما جاء متوسطاً، مثل «دلع بنات» و«حالة عشق» مع مي عز الدين، «أزمة نسب» بطولة زينة، «النمر» و«هوجان» و«الكينج» لمحمد إمام، وطبعاً مسلسل الجريمة القصير «سفاح الجيزة» الذي أخرجه هادي الباجوري، ومن بطولة أحمد فهمي.

يدخل العزب اليوم تجربة مشابهة، إنما هذه المرة كتابة وإخراجاً بفيلم الجريمة «سفاح التجمع»، فيكتب ولادته في عالمَي الإخراج والسينما كخطوة تُحسب له، وتبقى ناقصة بسبب بعض النقاط التي تسببت بجعل الفيلم مقبولاً بين أفلام الجريمة العربية، مع افتقاد لتماسك في سرد القصة، وتسلسل الأحداث التي تتقدم بالزمن حيناً، وتعود بال«فلاش باك» أحياناً كثيرة، بتقطع غير منطقي يجعل الجمهور حائراً، ومستنداً إلى الاستنتاج لما حصل، ومسيرة حياة السفاح، وجرائمه التي تبدو أيضاً غير متتالية بشكل واضح.

«سفاح التجمع».. جريمة حقيقية وتعديلات غير موفقة

ضجة

«سفاح التجمع» نال نصيباً كبيراً من الشهرة عندما تم سحبه من الصالات، مع بدء عرضه في مصر، وأثيرت حوله الأقاويل والتكهنات وخرجت الأصوات المدافعة عنه وعن حرية الإبداع والفن، ورفض سلطة الرقابة على الأعمال الفنية، لنفاجأ بعدها بانطلاق عرضه مجدداً وانتشاره عربياً، ما أسهم في زيادة رغبة الجمهور في مشاهدته. هذه الضجة أثارت فضول الجمهور، خصوصاً أن قصة الفيلم تتناول، بشكل مباشر أو غير مباشر، قصة سفاح التجمع كريم سليم (37 عاماً)، حامل الجنسيتين المصرية والأمريكية، والذي استدرج فتيات صغيرات إلى شقته في منطقة التجمع الخامس بالقاهرة، وقام بتعذيبهن داخل غرفة عازلة للصوت، وتصويرهن فيديو، وقتلهن ثم رمي جثامينهن في الصحراء، وتبين في التحقيقات أنه يعاني شذوذاً واضطراباً نفسياً، ثم صدر حكم بإعدامه.

محمد صلاح العزب عدّل ببعض التفاصيل لكن المحور العام هو نفسه، شريف نصار (أحمد الفيشاوي) شاب عاش في كندا، ولكنته يبدو منها أنه يميل للحديث بالانجليزية كثيراً، بداية نراه مع فتاة اسمها آلاء (جيسيكا حسام الدين)، تبدو منحرفة، تخبره أنها هربت من بيت أبيها بسبب خلافات، وأنها نادمة وتريد العودة إليه، لكن شريف الذي يبدو متعاطفاً معها ويأتي بها إلى منزله من أجل أن تحتفل معه بعيد ميلاده، ينقلب فجأة إلى شخص مخيف، يضع قناعاً أبيض ويرتدي ما يشبه المعطف الطويل الأبيض ويقوم بخنقها ثم تصويرها أثناء الاعتداء عليها، ومن بعدها التخلص منها في إحدى المناطق الصحراوية.

قطع متناثرة

يُدخلنا المخرج إلى عالم هذا السفاح بمقاطع تبدو كأنها «بازل» قطع متناثرة علينا، ربطها ببعضها ابعضاً كي تكتمل الصورة، وتتضح الحكاية. مرة نرى شريف سفاحاً، ونكتشف أن لديه طفلة يضع لها مادة في مشروب يعدّه لها كي تغفو، ولا تتمكن من رؤية أو سماع أي شيء مما يحصل خلال ارتكابه جرائمه، ثم نراه جالساً أمام وكيل النيابة (نور محمود)، يعترف بجرائمه أثناء التحقيق معه، ثم تدخل أم شمس (انتصار)، القوادة التي تجلب له الفتيات حتى منزله والتي تعترف أمام النائب العام بأنها لا تعلم شيئاً عن اختفاء الفتيات وقتلهن، بعبارة أرادها المؤلف ساخرة «نجاسة آه، بس دم لا».

يحوّل العزب فيلمه إلى مجموعة قصص تفصل بينها عناوين تعريفية، فالضحية الثانية عنوانها «مريم الجريمة الكاملة»، حيث يعيش شريف قصة حب مع مريم (سينتيا خليفة) التي تطاوعه في كل شيء حتى في ساديّته، وهنا يحاول المخرج تقديم وجهَي القبول والرفض لدى مريم، الرضوخ والخوف، من خلال مشاهد متتالية توافق فيها وترفض، في آن واحد، تستسلم مبتسمة، وترتعش خائفة، بمونتاج يعتمد على ذكاء الجمهور في الفهم والربط والتحليل. تطول العلاقة مع مريم ثم نفهم أنهما تزوجا، وأنجبت منه ابنتهما سارة، لكن أحوالها تزداد سوءاً حتى تلجأ إلى الهروب مع ابنتها، من دون أن تتمكن من حمايتها، بل يقوم شريف باختطافها من الحضانة ويتولى تربيتها بنفسه.

في هذه الأثناء تظهر والدته جيهان (صابرين)، السيدة القوية المحجبة والحريصة على الالتزام بالدين، وإعطاء الأوامر لابنها بحسم وقسوة، وهي مجرّدة من أيّ عاطفة، ثم تفاجئ ابنها بأنها تزوجت من صديقه خالد، الذي نكتشف لاحقاً أنها كانت على علاقة معه عندما كانت تعيش مع ابنها في كندا. هنا تبدأ الخيوط النفسية بالظهور بوضوح، فمن وقت لآخر يمرر المخرج مشاهد لطفل يرى من خلف الباب أمه وأباه يشاهدان أفلاماً إباحية، ويمنعانه من رؤيتها، لكن أمه تحتفظ بها على شرائط فيديو يشاهدها الطفل وحده لاحقاً، وكل مشاهدة تكون مرتبطة بوجبة الجمبري التي كانت تعدها أمه لأبيه.ربط المؤلف بين سلوكات الأم وانحرافها وتعدّد علاقاتها لاحقاً، بالعقدة النفسية التي نشأت لدى الطفل، ورغبته في الانتقام منها، خصوصاً أنها امرأة تجعل التديّن ستاراً، وتجبر ابنها على الصلاة بينما سلوكاتها مرفوضة، ومنها علاقتها بصديق ابنها خالد التي بدأت في كندا، واستمرت في مصر قبل أن تتزوج منه. ونكتشف لاحقاً أنها كانت شاهدة على قتل ابنها لفتاة في كندا، ودفنها في حديقة المنزل قبل أن تصطحبه هرباً إلى مصر، وتنكر أمام النائب العام معرفتها بأيّ سلوك شاذ لابنها، وبأية جريمة، مدعية أنه كان سليماً، ولا تعلم ما الذي حصل له في مصر.

«سفاح التجمع».. جريمة حقيقية وتعديلات غير موفقة

عقدة متوارثة

يعاني شريف «عقدة أوريست»، وهو مصطلح نفسي مستوحى من الأسطورة اليونانية، يُطلق على من يرغب في قتل أمه فيكره كل النساء، ويعتبرهن كلهن خائنات ويستحققن القتل. ويذهب المؤلف إلى نقل تلك العقدة بالتوارث منه إلى ابنته التي ينتهي بها الفيلم في مشهد يشير إلى مشاهدتها نفس نوعية الأفلام، وتأكل الجمبري، وتضع أحمر الشفاه، وعلى رجلها دمغة «تاتو» كان يضعها والدها على أسفل رجل كل ضحية مكتوب عليها بالانجليزية «فاميلي»، أي «عائلة»، في إشارة إلى الاختلال النفسي الذي يعانيه شريف الذي قال خلال التحقيق عبارة «العائلة تأتي أولاً».

يكثر المخرج من العودة إلى الماضي والقفز إلى الحاضر، وبينهما قصص شريف مع ضحاياه، فتاة ليل لم نكتشف الكثير عنها حاولت الدفاع عن نفسها لكنها فشلت، وفقرة بعنوان «دنيا حب عمر حمادة توكتوك» أدتها مريم الجندي لامرأة تعمل في الدعارة وبعلم زوجها، لكي تعيله وتعيل ابنتها، ثم رانيا (آية سليم) التي أحبها بسبب حسن معاملتها لابنته سارة، وعاشت معه وطلب منها الزواج قبل أن يقتلها مثل سابقاتها.

كخطوة أولى في السينما، حقق محمد صلاح العزب نجاحاً محدوداً، واختياره للفنان أحمد الفيشاوي لأداء دور شريف الأجنبي اللكنة، والذي يعاني عقدة نفسية، جاء مناسباً خصوصاً أن الفيشاوي مناسب في تركيبته البدنية وال«تاتو» في جسده وأسلوب كلامه لتلك المواصفات، ولا يحتاج إلى مجهود كبير للاقتراب من الشخصية، وصابرين أيضاً توافقت مع متطلبات الشخصية، بينما جاء ظهور باقي الشخصيات غير عميق، لأن مرور كل منها كان سريعاً.

«سفاح التجمع».. جريمة حقيقية وتعديلات غير موفقة