الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

«اقتصاد خصولتي».. العِبرة بالنيّة

2 مايو 2026 00:13 صباحًا | آخر تحديث: 2 مايو 00:24 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
يقول النبي صلى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيّات». وربما لا تقف حدود هذا الحديث الشريف عند أفعال الأفراد، بل تتسع لتشمل مصائر الأوطان، وهياكل الدول. فالنية التأسيسية لمن يحكم هي البوصلة الحقيقية التي تحدّد ما إذا كانت مقدرات الجغرافيا ستُسخّر لصناعة الحياة، أو ستُحرق في أفران الأيديولوجيا لبناء إمبراطوريات وهمية، تعيش على دماء مواطنيها.
في جولة استقصائية قادتني إليها لعبة عشوائية مع الذكاء الاصطناعي، هبط مؤشر البحث الرقمي في إحداثية نائية بمحافظة «هرمزجان»، في الجنوب الإيراني، عند عقدة مجهرية زراعية تُدعى «جاه جنار». هناك، كان السؤال الموجه لتقاطعات البيانات بسيطاً ومباشراً، لكنه يحمل تناقضاً فجّاً: لماذا يعيش الفلاح الذي يزرع ويقطف أغلى تمور العالم في بيت من الطابوق الأسمنتي العاري، أو تحت عريش متهالك بالقرب من مضخة مائه التي تصارع الجفاف، بينما تُباع ثمرة جهده في أسواق العالم بالدولار؟
القصة تبدأ بخدعة تحديث؛ حيث يقوم شباب من رواد الأعمال بتأسيس منصات تجارة إلكترونية، ويحتكرون محصول تمور «البيارم» بعقود مسبقة، لكسر احتكار الدلالين التقليديين. يغلفون التمر بعلب أنيقة، ويبيعونه بأسعار فلكية كـ«محتوى تسويقي». لكن، وكما تسخر الكوميديا السوداء في الشارع الإيراني: «إذا بنيت عشاً صغيراً بجهدك، سيأتيك نسرٌ حكومي ليقنعك بأن العش ملكه». سرعان ما تبتلع هؤلاء الشباب وصناديقهم الناشئة استثمارات تُعرف بـ«التمويل الجريء»، والتي هي في حقيقتها واجهات لبنوك خاصة عملاقة.
هنا تتلاشى القصة الزراعية الحالمة، وندخل في دهاليز الوحش المسمى بـ«الاقتصاد الخصولتي» (خصولتي). هذا المصطلح المنحوت من دمج كلمتي «خصوصي» (خاص) و«دولتي» (حكومي)، يمثل غابة مظلمة من الكيانات شبه الحكومية والشركات القابضة التي لا تدفع الضرائب.
ولكي تحمي هذه المؤسسات نفسها، ابتكرت هندسة مالية تُعرف بـ«الملكية المتقاطعة»، حيث تملك البنوك شركات استثمارية تملك بدورها أغلب أسهم البنك. وفي قلب هذه المتاهة، تستقر العوائد بأيدي رجالات المؤسسات العميقة وطبقة «الآقازادة» (أبناء المسؤولين). وحين تُطرح الأزمة الخانقة، يُسارع الخطاب الرسمي لتعليق المشانق لـ«العقوبات الدولية». لكن الشارع الإيراني يهمس بقاعدة صارمة ومؤلمة تُعرف بـ(نسبة 30-70)؛ أي أن العقوبات الغربية لا تتحمل سوى 30% من الكارثة المعيشية، بينما يعود 70% للسرقة المقننة، واحتكار «الخصولتي». لقد أصبحت العقوبات غطاء مثالياً للفساد، تُخلق من خلاله أسعار صرف متعدّدة، وتُدفع عمولات باهظة لـ«سماسرة العقوبات» (كاسبان تحريم).
هنا يتجلى ميزان النيّات في أقصى صوره تناقضاً، ليفصل بين دولتين يربط بينهما شريط مائي ضيق، لكن تفصل بينهما سنوات ضوئية في فلسفة الحكم.
على الضفة الغربية للخليج، وتحديداً في النموذج الإماراتي، نحن أمام تطبيق حِرفي وممنهج لـ«هندسة الرفاه». النية التأسيسية هنا واضحة وحاسمة: الإنسان هو الغاية. لم تنظر القيادة الرشيدة إلى مقدرات الدولة كخزنة لتمويل المغامرات الخارجية، بل سخّرتها لخلق بيئة تتجاوز توفير سبل العيش لتصل إلى طموح تحقيق لقب «أسعد شعب». كل قرار سيادي، وكل اختراق في قطاعات الفضاء والذكاء الاصطناعي، يُصب في خزان التنمية لخلق شبكة أمان فولاذية لا تسمح لمواطن بأن يسقط في فخ العوز. ولعل أبلغ ما يُلخص هذه الحالة الفريدة من الطمأنينة وسط إقليم يغلي بالاضطرابات، وما يجسد الفارق بين نية التنمية ونية الهدم، هو ما صاغه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، واصفاً حال المواطن الإماراتي الذي يرتوي من معين التنمية، بينما يطارد غيره وهم الأيديولوجيا:
يوم حوله أغلب النّاس إبهُموم
ما درى بالهَم محفوظ الجَناب
ولا انهِضَم حقّه إذا الغير إمهضوم
مورده عذبٍ إذا غيره سراب
في المقلب الآخر، نجد أنفسنا أمام تطبيق وحشي ومدروس لـ«هندسة الفقر». الخطأ الأكبر هو الاعتقاد بأن الفقر في تلك البقاع هو مجرّد شحّ موارد؛ فالحقيقة تكشف أن الفقر هناك «صناعة مؤسسية» مقصودة، وأداة سيطرة. النظام يُهندس العوز؛ يمتص القيمة المضافة لجهد المواطن ومحاصيله بالعملة الصعبة، ويعيدها إليه بالريال المنهار. في «هندسة الفقر»، إبقاء الشارع منهكاً يركض خلف أساسيات البقاء هو جدار الحماية الأول للنظام، فالمواطن الجائع لن يجد ترف مساءلة المؤسسات العميقة عن المليارات المهرّبة لحسابات النخبة. هكذا تُبنى «إمبراطورية بقاء النظام» على أحجار فقر مواطنيها المُهندس بدقة.
حين تسكن لغة الأرقام، تظل المفارقة قائمة لتخبرنا أن الأوطان تُبنى بالنيّات. في الإمارات، نية القيادة خلقت «محفوظ الجناب» الذي يعانق الفضاء، ويحيا بكرامة. بينما في «جاه جنار»، هناك فلاح منسيّ يجلس في فنائه الترابي الخشن، يمسح العرق، ويمضغ حبّة تمر رديئة تُركت له كصدقة في أرضه، ليدفع من لحمه ضريبة نظام قرر أن ينجو بنفسه، حتى لو ابتلع آخر قطرة ماء في البئر. صدق رسول الله: إنما الأعمال بالنيّات.

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه