الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

«الإبادة الصامتة»

2 مايو 2026 00:32 صباحًا | آخر تحديث: 2 مايو 00:34 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
ما يشهده قطاع غزة اليوم يتجاوز في أبعاده المنطق السياسي أو الميداني المتعارف عليه، فهو أمام واقع إنساني مرير يعاد فيه صياغة مفهوم «العيش» ليصبح معركة يومية من أجل قطرة ماء.
فبعيداً عن صخب المدافع الذي لم يهدأ رغم هدنة أكتوبر/ تشرين الأول 2025، تبرز سياسة أخرى أكثر هدوءاً لكنها أشد تأثيراً، تتمثل في تضييق إسرائيل الخناق على مقومات الحياة الأساسية للسكان، وتحويل الموارد الأساسية، وفي مقدمتها الماء، إلى ملف شائك يثقل كاهلهم.
تقرير منظمة «أطباء بلا حدود» الأخير، الذي سلط الضوء على استخدام إسرائيل «المياه كسلاح إبادة»، يضع العالم أمام أرقام وحقائق لا يمكن تجاوزها، فالحديث هنا ليس عن أزمة عابرة ناتجة عن ضغوط الحرب فحسب، بل عن تضرر طال نحو 90% من البنية التحتية للمياه والصرف الصحي. وحين تصبح محطات التحلية والآبار خارج الخدمة، ويجد الإنسان نفسه مضطراً للمخاطرة بحياته من أجل قطرات قليلة من الماء، فإننا نكون أمام مشهد يفتقر إلى أدنى معايير الإنسانية، ويضع حياة مئات الآلاف على المحك، وهو ما يمكن وصفه أيضاً بـ«الإبادة الصامتة».
مفهوم «الندرة المهندسة» الذي أشارت إليه المنظمة الدولية يعكس واقعاً صعباً، حيث يتم التحكم في تدفق الإمدادات الحيوية ورفض دخول المواد اللازمة لمعالجة المياه وتنقيتها، وهذا النقص الحاد، حين يجتمع مع الاكتظاظ السكاني وانهيار المنظومة الصحية، يخلق بيئة مواتية لانتشار الأمراض والأوبئة التي لا تفرق بين صغير وكبير. ومن هنا، يبرز التساؤل حول الجدوى العسكرية من استمرار هذه الضغوط التي تستهدف في المقام الأول حرمان السكان من حقهم الفطري في مياه نظيفة وآمنة.
المجتمع الدولي، والقوى المؤثرة في المشهد، أمام مسؤولية حقيقية، حيث إن سعيهم لضمان وصول المياه لسكان القطاع بالمستويات التي تحفظ كرامتهم وصحتهم ليس مطلباً سياسياً، بل هو ضرورة إنسانية ملحة لمنع وقوع كارثة صحية شاملة. فالحياة لا يمكن أن تستقيم في ظل غياب شريانها الأساسي، والاستمرار في سياسة تقنين الموارد لا يؤدي إلا إلى تعميق المعاناة الإنسانية وزيادة البؤس.
غزة اليوم في أمس الحاجة إلى حلول عملية تضمن إعادة تشغيل أوسع للآبار ومحطات التحلية، وتسمح بدخول المعدات والمواد الكيميائية اللازمة لتنقية المياه، وهذا كله يدخل في بند التمسك بقيم الحق في الحياة، والاعتراف بأن حرمان البشر من الماء هو طريق مسدود لا يخدم استقراراً ولا يحقق سلاماً، بل يزرع بذور الألم في أرض لم تعد تحتمل المزيد.
قضية المياه في غزة هي المرآة التي تعكس مدى التزام العالم بالقيم الإنسانية، وحماية هذا المورد من استخدامها كسلاح حرب هو السبيل الوحيد للحفاظ على ما تبقى من رمق الحياة في قطاع أرهقته الحروب، بانتظار لحظة تتدفق فيها المياه والحلول معاً.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه