منذ اجتماعهما الأخير في كوريا الجنوبية في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، جرت مياه كثيرة في مجرى العلاقات الصينية ــــ الأمريكية والأوضاع العالمية، وخصوصاً في الشرق الأوسط. لذا فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يقوم بزيارة رسمية إلى الصين اليوم ولمدة ثلاثة أيام، وهي الثانية له منذ عام 2017، سوف تكون مختلفة في أجندتها ونتائجها، حيث ستكون هناك ملفات حساسة، تتقاطع فيها مصالح القوتين العظميين وتتعارض في أخرى، أبرزها الحرب الإيرانية التي ستلقي بظلالها على المحادثات، إضافة إلى القضايا التجارية الشائكة، مثل الذكاء الاصطناعي وقضية تايوان، والأسلحة النووية، وتمديد اتفاق المعادن النادرة الذي تم التوصل إليه خلال قمة كوريا الجنوبية.
ورغم تفاؤل واشنطن بإمكانية أن ينجح ترامب في الضغط على الصين، لممارسة دور إيجابي تجاه إقناع إيران بالتخلي عن مواقفها المتعنتة، خاصة في ظل كون بكين زبوناً مهماً للنفط الإيراني، ومتضررة رئيسية من إغلاق مضيق هرمز، وكذلك في إقناع بكين بإنشاء «قناة اتصال»، لتجنب النزاعات الناشئة عن تطوير نماذج للذكاء الاصطناعي في الصين، إضافة إلى إبرام اتفاقيات حول مشتريات طائرات بوينغ، ومنتجات زراعية وطاقة أمريكية، إلا أن معظم المراقبين والمتابعين للزيارة، يعتقدون أن ترامب سوف يواجه موقفاً صينياً حاسماً تجاه ثلاث قضايا، تتعلق بملف تايوان الذي تعتبره بكين أساساً في علاقاتها الدولية، ولن تتنازل عن مبدأ «الصين الواحدة»، كما أن بكين أبلغت واشنطن مراراً، بأنها «ليست مهتمة بالجلوس، ومناقشة أي نوع من أنواع الحد من الأسلحة النووية في هذه المرحلة»، باعتبار أن ما لديها من ترسانة نووية لا يقاس بما لدى واشنطن وموسكو.
أما بخصوص المسألة الإيرانية، فمن المستبعد أن يتمكن ترامب من إقناع الزعيم الصيني شي جي بينغ، بممارسة ضغط على إيران، بل قد يحصل العكس، ذلك أن ترامب يصل بكين من دون أن يحقق نصراً عسكرياً، كما لم يتوصل إلى حل دبلوماسي مع طهران، يمنحه دفعة قوية في محادثاته مع الصينيين الذين يعلنون تأييدهم لطهران في حربها، ويعرقلون مع روسيا كل مشاريع القرارات المعروضة على مجلس الأمن ضد طهران.
من هنا يعتقد بعض المحللين، أن ترامب إذا ما أراد موقفاً مختلفاً من بكين تجاه إيران، عليه أن يدفع ثمناً مقابلاً في قضية تايوان، وفي قضايا أخرى، لأنه لا يحمل أوراق القوة اللازمة لفرض شروطه على بكين، وهو بالتالي «لن يستطيع تحقيق نجاح دبلوماسي يتباهى به في الداخل» ــــ حسب الكاتب سيمون تيسدال ـــ كما كتب في صحيفة «الغارديان» البريطانية.
إذن، من المستبعد أن يتمكن ترامب من وضع بصمته على مرحلة جديدة من العلاقة مع الصين، فالوضع العالمي المضطرب الذي خلفه عن قصد، سيجعل من هذه الزيارة مختلفة تماماً عن اجتماع السبعينات من القرن الماضي بين الزعيم الصيني ماوتسي تونغ، والرئيس نيكسون الذي أقنع بكين بالظهور على الساحة العالمية.
وفقاً لستيفن كولينسون، المحلل في شبكة «سي إن إن»: «لطالما سعت القمم الصينية -الأمريكية إلى تحقيق الاستقرار في أهم علاقة دبلوماسية في العالم، لكن ترامب يمثل نقيض الاستقرار، فقد حوّل الولايات المتحدة إلى أبرز مصادر عدم الاستقرار في العالم».
لا شك في أن ترامب وشي يرغبان في تحقيق نجاح للقمة، لكن الواقع الجيوسياسي يقيّد هذه الرغبة، ويجعل من انتزاع التنازلات المتبادلة في القضايا الكبرى، أمراً صعباً.