الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

موت السياسة في بريطانيا

13 مايو 2026 00:20 صباحًا | آخر تحديث: 13 مايو 00:21 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
في تعليقه على الانتخابات المحلية في إنجلترا وانتخابات البرلمانين الإقليميين في ويلز واسكتلندا، قال زعيم «حزب الخضر» زاك بولانسكي إن «سياسة الحزبية لا تحتضر فحسب، بل ماتت ودفنت». والمقصود بالحزبين التقليديين هو حزب العمال الحاكم وحزب المحافظين المعارض.
كان بولانسكي، الذي حوّل «حزب الخضر» منذ انتخابه رئيساً له العام الماضي من حزب معني بشؤون البيئة إلى حزب اشتراكي اجتذب فتات قوى اليسار في بريطانيا، مزهواً بالنتائج غير المسبوقة لحزبه في الانتخابات. وأغلب ما فاز به الخضر كان من خسارة حزب العمال الذي يقوده رئيس الوزراء كير ستارمر، والذي مني بأكبر هزيمة انتخابية في تاريخه بالانتخابات التي جرت الخميس الماضي.
إنما المفاجأة الكبرى كانت اكتساح «حزب الإصلاح» اليميني المتطرف الذي يقوده نايجل فاراج، إذ فاز بأكبر عدد من مقاعد المجالس المحلية وأصبح المعارضة الرسمية في برلمان ويلز بأكبر عدد مقاعد بعد الحزب الفائز، وهو «الحزب القومي الويلزي» (بلايد كمري). أما في برلمان إسكتلندا ففاز «الحزب القومي الإسكتلندي» ليأتي في مرتبة بعيدة بعد حزبي العمال والمحافظين.
كانت كل استطلاعات الرأي تشير إلى تقدم كبير لليمين المتشدد، لكن النتائج جاءت أكبر من المتوقع. ذلك أن أغلبها كان من باب «التصويت الانتقامي» ضد العمال والمحافظين، أي الحكومة والمعارضة، على السواء. واستفاد حزب فاراج من ذلك الاحتجاج الانتخابي، كما استفاد حزب الخضر وحزب الديمقراطيين الأحرار.
هناك أسباب كثيرة وراء هذا التغيير العميق في توجهات الناخبين في بريطانيا، إنما على رأسها أن الناس غير راضين عن حكومة كير ستارمر، ربما بالقدر الذي كانوا غير راضين به عن حكومات المحافظين المتتالية التي سبقت فوز العمال في 2024. وربما هذا ما قصده زاك بولانسكي بتصريحه عن «موت» نظام الحزبين التقليديين، وقوله إن السياسة الآن في بريطانيا هي بين الإصلاح والخضر.
بعد الفورة العاطفية للنتائج الانتخابية تلك، يمكن القول إنه رغم أعداد المقاعد ونسب التصويت الهائلة إلا أن الحديث عن أن السياسة البريطانية عادت للاستقطاب التقليدي بين يمين متطرف ويسار.
صحيح أن «الوسط» السياسي الذي تكدست فيه الأحزاب والقوى السياسية التقليدية في الديمقراطيات الغربية منذ ثمانينات القرن الماضي فقد زخمه مؤخراً، إلا أن الوقت ما زال مبكراً على تصور ترسخ اليمين المتطرف، وما يقابله من يسار اشتراكي أو متطرف أيضاً.
وربما نعود لتفصيل أن بريطانيا لن «تنحرف» تماماً نحو يمين متشدد شعبوي على الطريقة الأمريكية أو ما كاد يحدث في بعض دول أوروبا الغربية. إنما ما يهمنا هنا هو محاججة نقطة «موت السياسة» التقليدية في البلد الذي اعتبر لعقود مرجعية الديمقراطية التمثيلية في العالم الرأسمالي الغربي.
بعيداً عن الكليشيهات، التي فقدت معناها، من قبيل أن «بريطانيا غير» وأنها ليست مثل أمريكا أو غيرها فإن هناك منحى جديداً تماماً في السياسة في أغلب بلدان العالم بشكل عام. إذ لم تعد توجهات الناخبين محسومة إلى حد ما على أساس تقدير تصويت جماعات وفئات ومناطق بعينها لهذا الحزب أو ذاك. بل إن التغير في المزاج العام أصبح سريعاً وحاداً، وتلعب وسائل التواصل وغيرها من أدوات التكنولوجيا التي تشكل الرأي العام دوراً مهماً في هذه التقلبات الحادة والسريعة.
لا يعني ذلك موت السياسة، إنما تغيرها بشكل شبه جذري يتطلب مواكبة القوى والتيارات السياسية لنهجها الجديد كي تتسق معها، وهي عملية ما زالت في بدايتها وقد تشهد تقلبات حادة حتى استقرارها. وليست السياسة هنا متفردة في ذلك، لأن تلك التقلبات السريعة والحادة أصبحت تصبغ كل نشاطات البشر من السياسة إلى الاقتصاد والاجتماع وغيرها.
لن نجادل بأن الناس تصوت في الانتخابات المحلية بشكل مختلف عن التصويت في الانتخابات العامة التي على أساسها يتم تشكيل الحكومة، مع أن تلك حقيقة. لكن يكفي فقط التفكير في أن الحالة المزاجية للرأي العام قد تتغير بزاوية حادة مع أول فشل يواجهه المنتخبون الجدد في إدارة مجالس البلدات والقرى.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة