بينما يقترب من الرحيل عن قيادتها نهاية هذا العام، ومن إفريقيا هذه المرة، يجدّد أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة دعواته، أو بالأحرى صرخاته قبل الأخيرة، لإصلاح المنظمة الأممية.
ليس غوتيريش وحده الذي يكرر تأكيداته حاجة الأمم المتحدة الملحة إلى الإصلاح، بل هي رؤية تتقاسمها معظم دول العالم، بل إن القوى الكبرى نفسها ترى ذلك، وإن كانت تختلف طرقها في التقويم المفترض لمسار المنظمة، بحيث تعود أقرب إلى تمثيل المصالح الدولية المشتركة، وتحافظ على الحد الأدنى من العدالة العالمية، والانتصار لقيمها.
وأمر الإصلاح لا يخص الأمم المتحدة وحدها، وإن كانت تحظى بالقدرة الأكبر من الاهتمام، نظراً لاتساع ميادين عملها ودورها في ضبط الأمن والسلم الدوليين، فكل الروابط بين الدول، سواء عبر مؤسسات إقليمية أو أحلاف، تشترك مع المنظمة الأم في تراجع الدور، أو عجزها عن الاستمرار فيه، أو الارتهان لسيطرة عضو أو أعضاء، ما يفرض حوارات حول مستقبل هذه التجمعات، فيذهب البعض إلى ضرورة تغيير المسار، بينما لا يرى البعض الآخر جدوى من استمرارها، فيقترح إلغاءها تماماً، أو البحث عن بديل لها.
من كينيا، وضع أنطونيو غوتيريش إصبعه هذه المرة على واحدة من صور التفاوت العالمي، داعياً إلى رفع الظلم الذي وصفه بالتاريخي، عن إفريقيا، بحيث يتعزز تمثيلها في الأمم المتحدة، مجاراة للتغيّر السريع في العالم، مقارنة بما كان عليه قبل 80 عاماً.
وكان أنطونيو غوتيريش، وزعماء آخرون، اجتمعوا في كينيا من أجل ما وصفته الأمم المتحدة بوضع إفريقيا في قلب التعاون الدولي عبر توسعة غير مسبوقة لوجود الأمم المتحدة فيها.
شمل ذلك افتتاح مبانٍ مكتبية جديدة في مقر الأمم المتحدة في نيروبي، ووضع حجر الأساس لمركز مؤتمرات متطور من شأنه توسيع نطاق وجود المنظمة في إفريقيا بشكل كبير.
وتوقف الأمين العام عند «الاختلالات العالمية المزمنة التي تؤثر في إفريقيا»، ما أدى إلى «وضع غير عادل للغاية»، يفرض على العديد من الدول الإفريقية، التي كانت غائبة عن إنشاء المؤسسات الدولية الرئيسية، دفع تكاليف اقتراض أعلى بكثير من الاقتصادات المتقدمة.
ووفق غوتيريش، فإن العدالة لن تتحقق قبل أن يكون لإفريقيا تمثيل دائم في مجلس الأمن، وإجراء إصلاحات في كل من النظامين، السياسي والمالي، ليعكسا بشكل أفضل الواقع العالمي الراهن.
يحلم الأمين العام للأمم المتحدة بأن تكون المنظمة الدولية أقرب إلى الشعوب التي تخدمها، متصلة بواقعها، ومجهزة لدعم الحلول التي تبنيها، وتقريب عملياتها من المناطق الأكثر تأثراً بالتحديات العالمية.
إذن، هي مناسبة جديدة ليكرر غوتيريش صرخاته، أو دعواته الإصلاحية للمنظمة، وسط انقسامات جيوسياسية غير مسبوقة تجعل توفير السلام والأمن في العالم الحالي أمراً بالغ الصعوبة، خاصة في غياب مجلس أمن فعّال، وهو واقع ليس من المتوقع تبدّله، وسط هذه الأزمات الكبرى، والاختلالات على الخريطة الدولية.
