الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

من جذور الصحراء إلى رسائل العائلات عبر المضيق… حنين الهوية يوحّد الذاكرة الإنسانية

14 مايو 2026 16:15 مساء | آخر تحديث: 14 مايو 16:22 2026
دقائق القراءة - 4
شارك
share
من جذور الصحراء إلى رسائل العائلات عبر المضيق… حنين الهوية يوحّد الذاكرة الإنسانية
من جذور الصحراء إلى رسائل العائلات عبر المضيق… حنين الهوية يوحّد الذاكرة الإنسانية
تظلّ الروابط العائلية والحنين إلى الجذور من أعمق القيم الإنسانية التي تجمع الشعوب والثقافات، مهما اختلفت الجغرافيا أو تبدّلت الظروف السياسية والتاريخية. وفي هذا السياق، يستحضر أو بوكيان، القنصل العام لجمهورية الصين الشعبية في دبي والإمارات الشمالية، أوجه التشابه بين الإرث العائلي المتجذر في دولة الإمارات العربية المتحدة، وما يُعرف في الصين بـ«رسائل العائلة بين الضفتين»، التي شكّلت عبر العقود رمزاً للانتماء والهوية ولمّ الشمل بين جانبي مضيق تايوان.
وخلال زيارة أجراها مؤخراً إلى أحد الحكماء في إمارة رأس الخيمة، اطّلع القنصل العام على جانب من التاريخ الإماراتي وما يحمله من إرث اجتماعي وثقافي عريق، مشيراً إلى أن أكثر ما لفت انتباهه هو المكانة الراسخة التي ما تزال تحظى بها الروابط العائلية في المجتمع الإماراتي، رغم ما تشهده الدولة من تطور متسارع وتحولات متلاحقة.
وأوضح أن الأسماء الإماراتية غالباً ما تتضمّن اسم الأب والجد، في دلالة تعبّر عن الاحترام العميق للأسلاف واستحضار ذكراهم، حيث لا يُنظر إلى الاسم باعتباره مجرد تعريف شخصي، بل بوصفه امتداداً لسردية عائلية متوارثة تحمل تاريخ الأجيال وتعاقبها. كما يحرص الإماراتيون على توثيق تاريخ عائلاتهم في سجلات الأنساب، باعتبار الذاكرة العائلية إرثاً ثميناً يُنقل من جيل إلى آخر.
ولا يقتصر هذا الارتباط بالجذور على العالم العربي، بل يمتد أيضاً إلى الثقافة الصينية، حيث تحظى فكرة العودة إلى الأصل والحفاظ على الإرث العائلي بأهمية كبيرة. وكانت الرسائل العائلية عبر التاريخ إحدى الوسائل الأساسية لنقل القيم والمعتقدات والتقاليد بين الأجيال، ومن بينها ما يُعرف بـ«رسائل العائلة بين الضفتين»، وهي الرسائل المتبادلة بين أفراد العائلات عبر مضيق تايوان.
وفي هذا الإطار، تعود واحدة من أبرز الرسائل المؤثرة إلى عام 1931، إبّان الاحتلال الياباني لتايوان، حين أوكل الشاعر التايواني الشهير ليان هنغ إلى ابنه حمل رسالة إلى مدينة نانجينغ للقاء أحد أصدقائه القدامى، وجاء فيها: "ليس لأخيك سوى هذا الابن الوحيد، ولم أكن يوماً أرغب أن يُقيم طويلاً في أرض غريبة، فيغدو إنساناً منقطعاً عن جذوره وهويته".
وخلال السنوات الثلاث التالية، ظلّ ليان هنغ يبعث برسائل أسبوعية إلى ابنه المقيم في البرّ الصيني، يرشده فيها إلى طريق العلم والمعرفة، ويوصيه قائلاً: " إنّ كل خط يُكتب، وكل حرف يُرسم، إنما يرتبطان ببقاء الإرث الثقافي واستمرار الحضارة".
ولم تكن تلك الرسائل مجرد تعبير عن مشاعر أب تجاه ابنه، بل حملت أيضاً إحساساً عميقاً بالمسؤولية تجاه الهوية والثقافة الصينية، وعكست تطلّع المثقفين آنذاك إلى عودة تايوان إلى الوطن الأم. كما ظلّت هذه الرسائل متجذّرة في الذاكرة الصينية، لما تحمله من معاني الانتماء العائلي والهوية الوطنية والشوق إلى لقاء الأحبة ولمّ الشمل بين جانبي المضيق.
واكتسبت هذه الرسائل مكانتها الخاصة نتيجة الظروف التاريخية المرتبطة بالانفصال الجغرافي بين الجانبين، وما خلّفه من تباعد إنساني وعائلي عمّق مشاعر الحنين والارتباط بين الأسر الممتدة عبر المضيق. وفي الوعي التاريخي والثقافي الصيني، تُعدّ تايوان جزءاً أصيلاً من التاريخ والحضارة الصينية، إذ بدأت الحكومات المركزية الصينية منذ عام 1335 ببسط الإدارة والتنظيم الرسمي على جزر بنغهو وتايوان بصورة تدريجية، قبل أن تُعلن تايوان عام 1885 إقليماً تابعاً للدولة في عهد أسرة تشينغ.
وفي عام 1895، وبعد هزيمة الصين في الحرب الصينية اليابانية الأولى، اضطرت حكومة تشينغ إلى التنازل عن تايوان لصالح اليابان. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ووفق ما نصّت عليه «إعلان القاهرة» و«إعلان بوتسدام» ووثيقة استسلام اليابان، عادت تايوان إلى الصين قانونياً وواقعياً. وفي عام 1949، وبعد هزيمة حزب الكومينتانغ في الحرب الأهلية، انسحبت قيادته إلى تايوان، بالتزامن مع إعلان قيام جمهورية الصين الشعبية، التي حلّت محل حكومة جمهورية الصين بوصفها السلطة الحاكمة في البرّ الرئيسي، لتبدأ منذ ذلك الحين مرحلة الانفصال السياسي والإداري بين جانبي المضيق.
وفي عام 1971، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 2758، الذي أكد وجود صين واحدة وأن تايوان جزء من الصين، مع الاعتراف بحكومة جمهورية الصين الشعبية ممثلاً شرعياً وحيداً للصين بأكملها، فيما أقامت نحو 183 دولة علاقات دبلوماسية مع بكين على أساس مبدأ «الصين الواحدة».
ومع صدور وثيقة «رسالة موجهة إلى أبناء الوطن في تايوان» عام 1979، انتهت حالة المواجهة العسكرية بين الجانبين، وبدأت مرحلة جديدة من الانفتاح والتقارب السلمي. وفي عام 1987، سمحت سلطات تايوان بزيارة مواطنيها للبرّ الرئيسي لأغراض لمّ الشمل العائلي، في خطوة اعتُبرت بداية لكسر حالة الانفصال الطويلة بين الجانبين. كما تم التوصل عام 1992 إلى «التوافق السياسي لعام 1992»، الذي شكّل أساساً للحوار حول القضايا السياسية الجوهرية، قبل أن تتحقق عام 2008 «الروابط الثلاثة المباشرة» المتعلقة بالنقل والبريد والتجارة المباشرة، ما سهّل حركة الأشخاص والبضائع بين الجانبين.
وفي عام 2010، جرى توقيع «اتفاقية الإطار للتعاون الاقتصادي بين جانبي المضيق»، ما أسهم في تعزيز الروابط الاقتصادية والتجارية والتبادل الإنساني، وانعكس على رفاه أبناء الضفتين وتعزيز المصالح المشتركة بينهم.
وفي أبريل الماضي، أكد رئيس جمهورية الصين الشعبية Xi Jinping خلال لقائه رئيس حزب الكومينتانغ تشنغ لي-وون، أن جانبي المضيق ينتميان إلى الأمة الصينية الواحدة، مشدداً على أن «الأرض لا يمكن تقسيمها، والبلاد لا يمكن زعزعة استقرارها، والأمة لا يمكن فصلها عن بعضها بعضاً، والحضارة لا يمكن قطع تاريخها المتصل». كما طرح أربع مقترحات لتعزيز العلاقات بين الجانبين، شملت توثيق الروابط المشتركة، وحماية الوطن عبر التنمية السلمية، وتعزيز رفاه أبناء الشعب الصيني، والعمل المشترك لتحقيق النهضة الوطنية الصينية.
وفي السياق ذاته، أُعلنت حزمة من الإجراءات الهادفة إلى توسيع التعاون بين جانبي المضيق في مجالات التبادل الحزبي والشبابي والاقتصادي والثقافي والسياحي، بما يسهم في تعميق الروابط الإنسانية وتوسيع مجالات التفاعل بين المجتمعين على جانبي مضيق تايوان.
يؤكد أو بوكيان أن «شجرة نسب الصحراء» في الإمارات و«رسائل العائلة بين الضفتين» في الصين تعبّران عن المعنى الإنساني ذاته؛ فمهما طال الفراق، يبقى الحنين إلى الوطن والجذور قوة قادرة على ملامسة القلوب، وتظلّ الروابط العائلية والثقافية أقوى من المسافات والتحولات السياسية. كما يشدد على أن أبناء جانبي المضيق ينتمون إلى أصل واحد، ويتشاركون الجذور والثقافة واللغة والدم، وأن مسار التقارب والتواصل بينهم يظل اتجاهاً تاريخياً لا يتبدل، مؤكداً وجود إرادة راسخة للدفاع عن السيادة الوطنية وتحقيق إعادة التوحيد الكامل للوطن الأم.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة