في ظهور عفوي نادر اصطحب الزعيم الصيني شي جي بينغ، نظيره الأمريكي دونالد ترامب، في جولة داخل مجمّع «تشونغنانهاي» بالعاصمة بكين، حيث يعد أحد أكثر المواقع سرية في الصين، ما أعطى دلالات عن كيفية تفاعل الزعيمين، هذا الأسبوع، أثناء تفاوضهما بشأن التنافس بين أكبر اقتصادين في العالم، على وقع عدد من القضايا، الدولية والإقليمية، فيما ظهر اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صدفة في حديثهما، بعد سؤال بشأن «حديقة الأباطرة».
ونادراً ما يظهر الزعيم الصيني في وسائل الإعلام من دون تصريحات مُعدّة مسبقاً، لكنه ظل يتحدث بعفوية مع ترامب عبر مترجمين أثناء تجولهما في المجمع المحصن الذي يضم مكاتب قادة الصين، وكان من بين المشاهد اللافتة أن شي مد يده ليُرشد ترامب عبر قوس، مشيراً إلى درج لضمان عدم تعثّر الرئيس الأمريكي.
رمزية الشجرة المزدوجة
كما أوقف الزعيم الصيني الجولة ليشير إلى شجرة يزيد عمرها على 100 عام، موضحاً أنها في الأصل شجرتان اندمجتا معاً، في إشارة محتملة إلى دعوات شي للبلدين للعمل معاً.
كما كان تاريخ الحدائق الممتد لقرون مصدر فخر صيني خلال الجولة، حيث أشار شي إلى أعمار أشجار مختلفة في المجمع، بما في ذلك شجرة كبيرة قال إن عمرها نحو 490 عاماً. وقال لترامب: «في أماكن أخرى داخل هذا المجمع، توجد أشجار عاشت لأكثر من 1000 عام».
الإجابة بوتين
لكن فجأة، أوقف ترامب الجولة ليسأل عما إذا كان شي اصطحب من قبل قادة أجانب إلى المجمع السري في كثير من الأحيان، فردّ شي بالقول إن ذلك نادراً جداً ما يحدث. ثم قال ضاحكاً: «على سبيل المثال، زار بوتين هذا المكان»، وقد حدث ذلك عام 2024، عندما تناول الزعيمان الصيني والروسي الشاي في حدائق تشونغنانهاي، وقضيا ساعات هناك.
واستمرت الجولة، حيث حرص شي خلالها على تأكيد تاريخ الصين الطويل، وهو يشير إلى العديد من الأشجار القديمة الأخرى في الحديقة. وفي ختام الجولة، أشار ترامب إلى الأشجار المحيطة به، وأخبر شي كم أعجب بالمجمع الفخم والورود.، قائلاً: «يمكنني أن أعتاد على هذا»، وعلى الفور عرض شي إرسال البذور قبل أن يعقدا محادثات على الشاي والغداء، فيما مثلت هذه إحدى اللحظات القليلة العفوية خلال القمة التي تم التخطيط لها بدقة بين الزعيمين.
سر اختيار الزيارة
لفت شي إلى أنه اختار بنفسه أن يزور ترامب المجمع كشكر على استضافته في منتجع مارالاغو في فلوريدا عام 2017، وكان ذلك الاجتماع هو المرة الأولى التي يلتقي فيها الزعيمان، بعد بضعة أشهر فقط، من تولي ترامب منصبه في ولايته الأولى.
وقال شي جين بينغ لترامب، الجمعة: «إن تشونغنانهاي - التي تستمد اسمها من بحيرتين كبيرتين تقعان داخل أراضيها - هي المكان الذي يعمل ويعيش فيه قادة الحزب الشيوعي والحكومة المركزية للصين، بمن فيهم أنا». وأضاف شي: «بعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية في عام 1949، كنا (الحزب الشيوعي) هنا، بمن فيهم القادة الصينيون: ماو تسي تونغ، وتشو إن لاي، ودينغ شياو بينغ، وجيانغ زيمين، وهو جين تاو، وغيرهم».
حديقة الأباطرة القديمة
ويعد مجمع تشونغنانهاي مركز قيادة سرياً للغاية، والمقر الرئيسي للسلطة في الصين، ويُقارن أحياناً بالبيت الأبيض، أو الكرملين، ولم يتجاوز عدد قليل من القادة الأمريكيين الجدران الحمراء القديمة التي تفصل المجمع عن بقية العاصمة.
وتُفرض إجراءات أمنية مشددة للغاية على المجمع، حيث تشرف وحدة عسكرية نخبوية مسؤولة عن السلامة الشخصية لكبار قادة الحزب الشيوعي الحاكم داخل المجمع، كما تُحجب صور الموقع بشكل كبير على منصات الخرائط الرقمية.
وكانت تشونغنانهاي في السابق حديقة إمبراطورية، يستخدمها الأباطرة للاسترخاء والاستمتاع بأوقات فراغهم، بعيداً عن أوقات العمل بـ«المدينة المحرمة» في بكين.
وبعد انتهاء الحقبة الإمبراطورية الصينية عام 1912، تم تحويل تشونغنانهاي إلى مجمع رئاسي. وبعد عقود، جعلها الرئيس الراحل ماو تسي تونغ مركزاً للسلطة السياسية بعد انتصار الشيوعيين في الحرب الأهلية الصينية.
وفي ذلك الوقت، تعمّد ماو عدم اختيار المدينة المحرمة مقراً لمكتبه، رغبة منه في إبعاد الصين الجديدة عن نظامها الإمبراطوري السابق. كما أن العمل والإقامة في قصر الإمبراطور السابق كانا سيتعارضان مع أيديولوجية الحزب الشيوعي القائمة على «خدمة الشعب».
ومنذ ذلك الحين، شهدت تشونغنانهاي عمليات هدم وتجديد واسعة النطاق، شملت إضافة مبانٍ مكتبية، وأحواض سباحة، وغيرها. واليوم، يضم الموقع الذي تبلغ مساحته 1500 فدان أجنحة ومعابد أعيد استخدامها، وأصبح رمزاً لنخبة الحزب.
وفي وقت لاحق خلال نزهة شي وترامب، أظهر مقطع فيديو من وسائل الإعلام الصينية الرسمية أن الاثنين التقطا صوراً أمام غرفة كانت تستخدم في السابق للرقص ولعرض الأفلام الأجنبية والصينية، عندما انتقلت قيادة الحزب لأول مرة إلى المجمع.
هل زار رؤساء سابقون لأمريكا المجمع؟
قبل ثلاثين عاماً، دخل الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش، أيضاً إلى تشونغنانهاي، برفقة الرئيس الصيني آنذاك جيانغ زيمين. وكان آخر رئيس أمريكي زار تشونغنانهاي هو باراك أوباما، الذي التقى شي جين بينغ هناك عام 2014، وذكرت وسائل الإعلام الرسمية أن الرجلين ناقشا التاريخ الصيني الحديث.
في ذلك الوقت، دُعي أوباما لزيارة جزيرة يينغتاي الاصطناعية النادرة، والواقعة منعزلة في وسط بحيرة في تشونغنانهاي. وتحمل هذه الجزيرة الخفية أهمية تاريخية خاصة، إذ كانت في السابق مكان سجن أحد الأباطرة قرب نهاية عهد أسرة تشينغ عندما جُرِّد من السلطة إثر انقلاب فاشل.