يُعد تريبهوفانداس كيشيبهاي باتيل واحداً من أبرز الشخصيات التي أسهمت في بناء الاقتصاد التعاوني في الهند، حيث لُقّب ب«أب الحركة التعاونية» بفضل دوره الريادي في تأسيس نموذج ناجح غيّر حياة ملايين المزارعين، خاصة في قطاع الألبان. وُلد في 22 أكتوبر 1903 في مدينة أناند، وتوفي في 3 يونيو 1994 بعد مسيرة حافلة بالنضال والعمل العام.
نشأ باتيل في بيئة وطنية متأثرة بالحركة الاستقلالية الهندية، وتأثر بشكل كبير بأفكار الزعيم المهاتما غاندي، كما كان من أتباع سردار فالابهبهاي باتيل، أحد أبرز قادة الهند في تلك المرحلة. شارك باتيل بفعالية في حركات العصيان المدني ضد الاستعمار البريطاني، ما أدى إلى اعتقاله عدة مرات خلال أعوام 1930 و1935 و1942، وهو ما عزز مكانته كأحد المناضلين في سبيل استقلال بلاده.
انطلاقة الحركة التعاونية
مع نهاية أربعينات القرن الماضي، بدأ باتيل العمل مع المزارعين في منطقة «خيدا» بولاية «غوجارات»، حيث أدرك معاناتهم من هيمنة الوسطاء وضعف العائدات. وبتوجيه من سردار باتيل، أسس عام 1946 اتحاد منتجي الحليب التعاوني في منطقة «كايرا»، الذي شكّل نواة واحدة من أنجح التجارب التعاونية في العالم.
وفي عام 1950، استقطب باتيل المهندس فيرغيز كوريان، الذي لعب دوراً محورياً في تطوير الجوانب التقنية والتسويقية للمشروع، والذي عُرف لاحقاً باسم «أمول»، ليصبح رمزاً وطنياً في صناعة الألبان.
بناء مؤسسات رائدة
تحت قيادة باتيل، وبالتعاون مع كوريان، تم تأسيس عدد من المؤسسات الحيوية في مدينة أناند، من بينها الاتحاد التعاوني لتسويق الألبان في غوجارات ومجلس تطوير الألبان الوطني ومعهد إدارة الريف في أناند. وقد أسهمت هذه المؤسسات في تحويل الهند إلى واحدة من أكبر منتجي الحليب في العالم، فيما عُرف لاحقاً ب«الثورة البيضاء».
دور سياسي
إلى جانب نشاطه التعاوني، كان باتيل شخصية سياسية بارزة، حيث شغل منصب رئيس لجنة الكونغرس الإقليمية، وكان عضواً في مجلس الولايات الهندي (راجيا سابها) لفترتين بين عامي 1967 و1974، ممثلاً حزب المؤتمر الوطني الهندي.
وحصل على الكثير من الجوائز تقديراً لجهوده، من أبرزها جائزة «رامون ماجسايساي» للقيادة المجتمعية في عام 1963، ووسام «بادما بوشان» في عام 1964.
إرث إنساني وتنموي
في أوائل سبعينات القرن الماضي، تقاعد باتيل طوعاً من رئاسة شركة «أمول»، حيث قدّم له المزارعون تكريماً مالياً جماعياً، استخدمه لاحقاً لتأسيس «مؤسسة تريبهوفانداس»، وهي منظمة غير حكومية ركزت على صحة النساء والأطفال في القرى.
وقد تميز نموذج المؤسسة بربط التنمية الصحية بالاقتصاد التعاوني، حيث كانت جمعيات الألبان القروية تموّل خدمات الرعاية الصحية، في تجربة مبتكرة جمعت بين الإنتاج والخدمة المجتمعية.
سنواته الأخيرة
ظل باتيل نشطاً حتى أيامه الأخيرة، يعمل على توسيع مفهوم التعاونيات ليشمل قطاعات زراعية أخرى. وقبل وفاته في عام 1994، زاره آلاف المزارعين تأكيداً على استمرار المسيرة التي بدأها قبل عقود.
ورغم رحيله، لا يزال إرثه حاضراً بقوة، حيث تستمر تجربة شركة «أمول» والنموذج التعاوني الذي أسسه في إلهام دول العالم، باعتباره مثالاً ناجحاً على تمكين المجتمعات المحلية وتحقيق التنمية المستدامة من القاعدة إلى القمة.