الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
جماليات إماراتية

مهرة الفلاحي.. خيوط لونية تنسج الأحلام

14 مايو 2026 14:29 مساء | آخر تحديث: 14 مايو 15:29 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
العمل الفني " Seeking Utopia"
العمل الفني " Seeking Utopia"
icon الخلاصة icon
قراءة لعمل مهرة الفلاحي التركيبي «البحث عن المدينة الفاضلة»: خيوط وأقمشة شفافة ورموز كالفطر واليعسوب وألوان تركوازية ليوتوبيا هشة
تعد مدارس الفن التشكيلي إطاراً فكرياً وجمالياً يلجأ إليه الفنانون للتعبير عن أفكارهم بطرق متعددة تعكس تنوع التجارب الإنسانية، وظهرت هذه المدارس نتيجة لتطورات تاريخية متلاحقة، حيث سعى الفنانون إلى تجاوز الأساليب التقليدية وابتكار أساليب جديدة في التعبير، من الواقعية التي تهتم بنقل الواقع كما هو، إلى الانطباعية التي تركز على الضوء والانطباع اللحظي، ثم التعبيرية التي تعكس المشاعر الداخلية، وصولاً إلى التجريدية والمفاهيمية التي تتحرر من الشكل المباشر.
 مهرة الفلاحي
مهرة الفلاحي
لا يقتصر دور هذه المدارس الفنية على الجانب الجمالي، فهي تمتد لتمثل أيضاً وسيلة للتواصل الفكري والنقد الاجتماعي، وبذلك، تمنح هذه الاتجاهات الفنية الفنان حرية اختيار اللغة البصرية التي تناسب رؤيته، مما يثري المشهد الفني ويعزز تنوعه وتطوره المستمر، مقدماً تجربة تجمع بين البعد الحسي والفكري، ويترك للمتلقي مساحة للتأمل، فيطرح العمل الفني كرؤية مفتوحة تتشكل عبر التجربة.

* رمزية

في هذا الإطار نتأمل هذا العمل التركيبي بعنوان «Seeking Utopia» أو«البحث عن المدينة الفاضلة» للفنانة مهرة الفلاحي حيث تقدم لنا تجربة بصرية تتجاوز مفهوم العمل الفني التقليدي، يتحول فيها العمل إلى بيئة فنية شاملة يتفاعل معها المتلقي، ينتمي هذا العمل إلى فنون التركيب المعاصر، ويتقاطع مع فن النسيج وما يسمى بـ«النحت بالقماش»، إذ استخدمت الفنانة الخيوط والأقمشة الشفافة والعناصر الخفيفة لبناء فضاء متكامل يعرض نفسه أمام المشاهد، ويدعوه إلى الدخول في قلب الرؤية الفنية واستكشافها، بما يشبه العبور داخل مشهد يشبه الأحلام، ويلاحظ المتأمل في البنية التركيبية للعمل، اعتماد الفنانة على الأقمشة الشفافة والخيوط المتدلية لتكوين مشهد بصري مميز.
استحضرت مهرة الفلاحي، عنصراً طبيعياً يمكن ملاحظته أسفل العمل وهو «الفطر»، هذا النبات حضر في العمل ليحمل دلالة رمزية على النمو الخفي ودورات التحول في الطبيعة، فهو يشير إلى الحياة التي تنشأ في الظل، وإلى قدرة البيئة على إعادة تشكيل ذاتها من خلال التحلل وإنتاج أشكال جديدة من الوجود، وبذلك يشكل الفطر قاعدة رمزية لعالم يتأسس على الهشاشة والتحول بدل الصلابة والثبات، كما تظهر حشرات اليعسوب، المعروفة في البيئة الإماراتية المحلية باسم «بوبشير»، في أعلى التركيب تتحرك بين الخيوط والأقمشة، وتمثل هذه الحشرة حالة رمزية فنية تشير إلى الوسطية بين الماء والهواء، وتحمل دلالات التحول والخفة والاستمرارية، ولعل وجودها وجودها داخل العمل أرادات منه الفنانة تعزيز فكرة الانتقال والبحث، وتجسيد البعد الحركي للعمل وإعطاءه حيوية في مقابل السكون لبقية عناصر العمل.

* رؤية

من ناحية الألوان نشهد في العمل هيمنة على عين المشاهد للون «التركوازي» الذي يولد إحساساً برطوبة الأرض أو الحلم المشرق، وفي الوقت ذاته تتداخل معه درجات من ألوان كالبرتقالي والأحمر والأبيض، في رؤية لونية متناسقة تحدث توازناً بصرياً يجمع بين الهدوء والحيوية، فتظهر هذه الألوان بطبقات شفافة، أقرب إلى آثار ضوء أو فكرة معلقة في الهواء.
ويدرك المتأمل لجماليات العمل اعتماد الفنانة في استخدام القماش على التراكم والشفافية، إذ تشكل الخيوط المتدلية طبقات بصرية تسمح بالرؤية الجزئية، وتخلق حالة من الغموض المقصود، لتعكس فكرة العمل نفسه التخييلي الذي يشبه الحلم حيث تنكشف الصورة تدريجياً عبر البحث والاستكشاف، وتمنح شفافية القماش العمل حساسية خاصة، وتضفي عليه طابعاً حركياً يتفاعل مع الهواء والمحيط، لتضيف الفنانة بعداً حياً للعمل.
يفتح العمل أمام المتلقي المجال لقراءة فكرية واسعة، حيث طرحت الفنانة فكرة «اليوتوبيا»، كحالة فكرية هشة، بدون مبالغة في طرحها كنموذج مثالي مغلق، ونلاحظ ذلك من خلال البعد عن البنية الهندسية الصارمة، والاعتماد على تفاصيل صغيرة وعناصر طبيعية متداخلة، لتصبح فكرة الـ«اليوتوبيا» تعبر عن رؤية إنسانية عميقة تعكس السعي والبحث المستمر عن العالم الأفضل وليس المكتمل.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة