في وقتٍ تتعامل فيه اقتصادات المنطقة بحذر متزايد مع تداعيات الحرب الأخيرة والتوترات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط، تواصل دولة الإمارات إرسال إشارات معاكسة للأسواق العالمية، عبر تسريع إطلاق مشاريع استراتيجية بمئات المليارات من الدراهم، ما يعكس الثقة السياسية والاقتصادية العالية بقدرتها على الحفاظ على زخم النمو وسط بيئة إقليمية مضطربة، بينما تتباطأ قرارات التوسع في عدد من اقتصادات المنطقة، دفعت الإمارات، خلال الأشهر الأخيرة، بحزمة مشاريع واستثمارات ضخمة.
في دبي، أطلقت هيئة الطرق والمواصلات مشروع «الخط الذهبي» لمترو دبي باستثمار 34 مليار درهم، ليصبح أحد أكبر مشاريع النقل الحضري في المنطقة، ويضم خطاً بطول 42 كيلومتراً و18 محطة، مع كونه أول خط مترو يُنفذ بالكامل تحت الأرض في الإمارة، ويربط مناطق استراتيجية تشمل الخليج التجاري وميدان ودبي لاند وجميرا غولف إستيتس.
في الوقت الذي دشن فيه، صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، أعمال الحفر الأساسية في أنفاق مشروع «الخط الأزرق» لمترو دبي، في رسالة تعكس استمرار الإمارة في الاستثمار طويل الأمد في البنية التحتية الحضرية، رغم الضغوط الإقليمية المحيطة. ويُعد «الخط الأزرق» أحد أكبر مشاريع النقل في الإمارة، بكلفة تصل إلى 20.5 مليار درهم، وبطول 30 كيلومتراً، منها 15.5 كيلومتر تحت الأرض و14.5 كيلومتر فوق الأرض، ويضم 14 محطة، بينها ثلاث محطات انتقالية وأربع تحت الأرض، ويخدم المشروع تسع مناطق يسكنها مليون نسمة.
واصلت دبي ضخ استثمارات استراتيجية ضخمة، حيث أعلنت طيران الإمارات إنشاء مركز هندسي متكامل لصيانة وهندسة الطائرات في منطقة دبي الجنوب باستثمار يقارب 19 مليار درهم، ضمن خطط توسيع البنية التحتية لقطاع الطيران في الإمارة.
سياحة وترفيه
في الشارقة، افتتح صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، منتجع خورفكان الجديد، باستثمار يصل إلى 700 مليون درهم، ويشكل المشروع إضافة نوعية لقطاع السياحة في الإمارة، حيث يمتد المنتجع على مساحة تقارب 330 ألف قدم مربعة، وبناء تصل مساحته إلى 1.4 مليون قدم مربعة، وفي السياحة والترفيه، عززت أبوظبي مكانتها الدولية عبر الإعلان عن مشروع «سفير أبوظبي» في جزيرة ياس، باستثمار يناهز 6.2 مليار درهم، بالشراكة بين دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي وشركة «سفير إنترتينمنت»، ليكون أول مشروع للشركة الأمريكية خارج أمريكا، افتتحت دبي شاطئ خور الممزر كوجهة سياحية عائلية جديدة، ضمن مشاريع تطوير الواجهة البحرية.
الطاقة والغاز
تواصل أبوظبي تعزيز حضورها في الطاقة والصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، حيث أعلنت «أدنوك» تسريع تنفيذ خططها التوسعية، عبر استهداف ترسية مشروعات ب 200 مليار درهم، بين 2026 و2028، ضمن خطة استثمارية لخمس سنوات، وتعمل الشركة على تسريع تنفيذ مشروع خط الأنابيب «غرب - شرق 1».
كما وقعت «تعزيز» اتفاقيات طويلة الأمد بقيمة 104.6 مليار درهم، خلال مشاركتها في منصة «اصنع في الإمارات»، تشمل توريد وبيع مواد أولية وكيماويات صناعية متنوعة، في وقت وقعت فيه الشركة مع تحالف استراتيجي مع «ألفا ظبي القابضة» لاستثمارات رأسمالية تقارب 36.7 مليار درهم في مشاريع كيماوية بالرويس الصناعية. وأبرمت «أدنوك» و«لِعماد» القابضة، مع «جلوبال إنفراستركتشر بارتنرز» التابعة ل«بلاك روك» و«تماسيك القابضة»، شراكة استثمارية تستهدف ضخ 30 مليار دولار في مشاريع بنية تحتية، كما واصلت «أدنوك» تعزيز شراكاتها الدولية، عبر تبادل اتفاقيتين استراتيجيتين مع شركات هندية.
واستحوذت مجموعة «إيدج»، على حصة مسيطرة في شركة «سي إم دي» الإيطالية المتخصصة في تطوير أنظمة الدفع المتقدمة للتطبيقات البحرية والجوية والسيارات. كما أرست عقداً بقيمة 200 مليون درهم، عبر شركتها «هالكن»، على شركة الإمارات للكابلات والربط البيني في أبوظبي.
ودشن الدكتور سلطان بن أحمد الجابر، وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، مصنع «ستار» لصناعة الورق في كيزاد بأبوظبي باستثمار بلغ 200 مليون درهم، لإنتاج ورق الكرتون المعاد تدويره. في دبي انطلق مشروع «مصنع المليار وجبة للتمور»، بطاقة تصل إلى 150 مليون وحدة سنوياً.
الشراكة مع القطاع الخاص
أطلق مكتب أبوظبي للاستثمار ومركز أبوظبي للمشاريع والبنية التحتية حزمة جديدة تضم 24 مشروعَ شراكةٍ بين القطاعين العام والخاص، بقيمة إجمالية تصل إلى 55 مليار درهم، تشمل مشاريع في النقل والخدمات الاجتماعية والبنية التحتية، بهدف جذب المزيد من الشركات العالمية وتعزيز المحتوى المحلي.
وبالتوازي مع إطلاق المشاريع الكبرى، اعتمدت دبي وأبوظبي منحاً وقروضاً وأراضي وسداد مديونيات ل7283 مواطناً بقيمة 9.5 مليار درهم، في تأكيد على استمرار الإنفاق التنموي والاجتماعي داخلياً رغم التحديات الإقليمية.
ويعكس زخم إطلاق المشاريع العملاقة المتواصل رغم الأجواء الجيوسياسية المضطربة في المنطقة، تحول دولة الإمارات إلى نموذج اقتصادي مختلف في الشرق الأوسط يعتمد على التخطيط طويل الأمد، والاستثمار المكثف في البنية التحتية، وتنويع الاقتصاد، وتعزيز الشراكات العالمية، وفي الوقت الذي تتجه فيه بعض اقتصادات المنطقة إلى تأجيل مشاريع أو تقليص الإنفاق الرأسمالي، تبدو الإمارات وكأنها تستثمر في لحظة عدم اليقين نفسها، عبر تسريع مشاريع النقل والطاقة والصناعة والسياحة، بهدف ترسيخ موقعها كمركز إقليمي للأعمال ورأس المال والخدمات اللوجستية في مرحلة ما بعد التوترات الإقليمية.