د. صلاح الغول
أظهرت التطورات الأخيرة أن مضيق هرمز، على ضيقه الجغرافي، يمثل نقطة ارتكاز حرجة في النظام الاقتصادي العالمي، وأن أي اضطراب فيه ينعكس فوراً على الأسواق العالمية، وسلاسل الإمداد، والاستقرار الاقتصادي في مختلف دول العالم.
وما شهدناه من تعطيل إيران لحركة الملاحة، واستخدام المضيق ورقة ضغط سياسي وأداة ابتزاز اقتصادي، لا يمكن قراءته إلا بوصفه شكلاً من أشكال الحرب الاقتصادية، أو الإرهاب الاقتصادي، وانتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي وهو ما يفرض على دول مجلس التعاون الخليجي الانتقال من منطق الاستجابة الظرفية إلى تبني مقاربة استراتيجية شاملة، وواقعية ومتكاملة للتعامل مع المضيق في المستقبل المنظور.
بادئ ذي بدء، يتعين إعادة تعريف أمن الطاقة بوصفه «أمناً شبكياً»، يقوم على تنويع مسارات تدفق النفط والغاز وتكاملها. ويشمل ذلك تطوير منظومة إقليمية مترابطة من الممرات البحرية والبرية وخطوط الأنابيب، وتسريع مشاريع الربط بين موانئ الخليج العربي والبحر الأحمر، وتعزيز الاستثمارات في البنية التحتية البديلة لتلك المرتبطة بمضيق هرمز كالسكك الحديدية أو الموانئ التي لا تعتمد على المضيق بشكل أساسي، باعتبارها تأميناً استراتيجياً طويل الأمد لا خياراً تنموياً مؤجلاً.
علاوة على ذلك، ثمة ضرورة لتحييد الممرات البحرية عن طريق قيادة تحرك خليجي–دولي لتجريم استخدام الممرات البحرية أداة ضغط سياسي أو اقتصادي، وتعزيز الحضور الخليجي في المنظمات البحرية الدولية، وتطوير أطر قانونية أكثر إلزاماً لحماية حرية الملاحة، وبناء تحالفات إقليمية ودولية لحماية الممرات الحيوية، انطلاقاً من أن أمنها مسؤولية مشتركة تتجاوز حدود المنطقة.
ويجب أنْ يتواكب ذلك مع تطوير منظومة ردع خليجية مشتركة، للحؤول دون تعطيل الممرات الحيوية وتوفير حماية لسلاسل الإمداد. ويتطلب ذلك تعزيز التنسيق الأمني البحري الخليجي وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتوظيف التقنيات المتقدمة، خاصة الذكاء الاصطناعي، في رصد وتحليل التهديدات البحرية بشكل استباقي، وإشراك القطاع الخاص، ولاسيما شركات الطاقة والشحن، في تطوير آليات تأمين مشتركة لسلاسل الإمداد.
وقد أثبتت أزمة «هرمز» الراهنة أن التركيز على الكفاءة التشغيلية من دون بناء المرونة يمثل مخاطرة استراتيجية. ومن ثم، ينبغي تطوير مخزونات استراتيجية مشتركة إقليمياً تعزز القدرة على امتصاص الصدمات وذلك باعتبارها بنوك سلع ومواد احتياطي استراتيجي لدول الخليج، وتنويع الشركاء التجاريين ومصادر الإمداد، والاستثمار في البنية التحتية اللوجستية والموانئ، بما يدعم استمرارية التدفقات التجارية في مختلف السيناريوهات.
والواقع أن تحميل الأطراف المسؤولة عن تعطيل الملاحة الدولية كامل التبعات القانونية والاقتصادية يمثل ضرورة لضمان عدم تكرار مثــــل هــــذه الممارســات. ويتطلب ذلك دعم آليات دولية لتوثيق الانتهاكات والتحقيق فيها بصورة مستقلة، والعمل على تطوير أطر قانونية تتيح تعويـــض المتضرريــــن مـــن تعطيل الممــرات البحرية، وتوظيـــــــف الدبلوماسيــــــة الاقتصاديــة لضمــان التـــــزام الأطــراف المعنيـة بقواعـد القانون الدولي.
ويمكن لدول الخليج العربي إعادة صياغة دورها في سوق الطاقة العالمي عبر دبلوماسية طاقة نشطة تربط بين استقرار الإمدادات واستمراريتها وتنوعها، من خلال بناء شراكات طويلة الأمد مع الاقتصادات الكبرى تقوم على المصالح المتبادلة، وتعزيز دور دول الخليج العربي كمورد موثوق ومستقر للطاقة، وتقليل فرص تسييس الممرات الحيوية عبر ترسيخ الاعتماد المتبادل.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تبني مقاربة غير تقليدية تقوم على تحويل نقاط الضعف الجغرافية إلى أدوات نفوذ استراتيجي، وذلك عبر مسارين متكاملين، هما: استراتيجية الربط الدفاعي، وتطوير مؤشر خليجي فوري لمخاطر الممرات البحرية. ويقوم المسار الأول على ربط مصالح الدول المستهلكة الكبرى بشكل عضوي باستقرار الممرات البحرية، من خلال شراكات طاقة مهيكلة ومنصات لوجستية عالمية، بما يجعل أي تهديد لهذه الممرات تهديداً مباشراً لمصالح هذه الدول، وبالتالي محفزاً لتحرك دولي تلقائي لحمايتها. وبالنسبة لمسألة تطوير مؤشر خليجي فوري لمخاطر الممرات البحرية، فيقترح إنشاء منصة رقمية مشتركة تعتمد على البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي لرصد المخاطر بشكل لحظي، وتوفير إنذارات مبكرة لصنّاع القرار والأسواق، بما يعزز الشفافية ويحد من تقلبات الأسواق الناتجة عن عدم اليقين.
بيد أنّ الأزمة الراهنة تقتضي تسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة، خاصة الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية، وتطوير شبكات الربط الكهربائي الإقليمي وممرات الطاقة البديلة، وتنويع مزيج الطاقة بما يعزز الاستقلالية الاستراتيجية لدول الخليج العربي.
وفي ظل متابعة الجهود الدولية لوقف التصعيد، تبرز أهمية ضمان التزام كامل بوقف الأعمال العدائية وإعادة فتح الممرات البحرية بشكل غير مشروط، وتطوير آليات رقابة دولية فعالة لضمان استمرارية حرية الملاحة، وإعداد خطط طوارئ خليجية مشتركة للتعامل مع أي انتكاسات محتملة.
إن ما شهدناه في مضيق هرمز لا يمثل أزمة عابرة، بل نقطة تحول استراتيجية تفرض إعادة بناء مقاربتنا لأمن الطاقة.
ولم يعد هذا الأمن قابلاً للإدارة بمنطق الدولة المنفردة، بل يتطلب رؤية جماعية خليجية قائمة على التكامل والمرونة والابتكار.
وفي هذا الإطار، تواصل دولة الإمارات دورها في تعزيز كفاءة ومرونة الممرات الحيوية عالمياً، والاستثمار في البنية التحتية البحرية واللوجستية، بما يدعم سلاسل الإمداد والتجارة الدولية.
كما تؤكد التزامها بالعمل مع شركائها لضمان أن تبقى الممرات المائية الدولية، وفي مقدمتها مضيق هرمز مفتوحةً.
[email protected]
سعدتُ بحضور ندوة: «بنظهر أقوى: الأزمات واستدامة الجاهزية الإماراتية»، التي نظّمها مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، برفقة نخبة من الخبراء والباحثين والأكاديميين وصناع القرار. وقد اُقتبس عنوان الندوة من عبارة قويّة وبليغة لصاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، خلال زيارة سموّه لعدد من مصابي الاعتداءات الإيرانية السافرة في 7 مارس المنصرم. والعبارة المُحمدية «ترانا بنظهر أقوى» تجسِّد الجاهزية الإماراتية بوصفها نهجاً راسخاً يجمع بين حكمة القيادة وكفاءة المؤسسات ووعي المجتمع.
وانطلاقاً من خطاب القيادة الرشيدة، عملت دولة الإمارات على بناء حالة وطنية شاملة من التأهب والجاهزية في مختلف القطاعات وعلى مدار زمني متصل، دفع بكثيرين للتعجب، وقليلين للإعجاب بالجهد الإماراتي المبذول لتحقيق ذلك دونما أن يدرك جلهم الغاية الحيوية من وراء ذلك.
فالجاهزية في دولة الإمارات ليست وليدة أزمة أو موقف فردي، بل هي نهج مؤسسي مستقر ومتراكم. فقد أطلقت دولة الإمارات «علامة الجاهزية للمستقبل: جاهز للمستقبل»، وهي علامة وطنية أطلقها مكتب التطوير الحكومي والمستقبل في حكومة دولة الإمارات، وتُمنح لمشاريع المؤسسات الحكومية الاتحادية والمحلية التي تعزز جاهزية الحكومة والدولة للمستقبل، عن طريق تصميم وتطوير وتنفيذ مبادرات ومشاريع استباقية واستثنائية، تتبنى رؤى وأفكاراً مستقبلية جريئة وعملية تحقق نتائج واضحة ومحددة وملموسة وإنجازات بشكل عملي ومؤثر، وتستثمر في مهارات المستقبل وتعتمد التكنولوجيا المتقدمة.
وتركز علامة الجاهزية للمستقبل على مشاريع الجاهزية التي يتم تصميمها في قطاعات المستقبل ذات الأولوية، مثل الاقتصاد الجديد، والتكنولوجيا المتقدمة، والأمن الغذائي والمائي، والاستدامة البيئية، ومهارات المستقبل، وجودة الحياة. أما على المستوى القطاعي، فقد أُطلق برنامج الإمارات للجاهزية والاستجابة الطبية «جاهزية» بمبادرة من مكتب فخر الوطن وأطباء الإمارات في بادرة تعد هي الأولى من نوعها في المنطقة، تهدف إلى بناء قدرات خط الدفاع الأول وزيادة جاهزيتها وتأهبها للاستجابة الطبية في حالات الطوارئ والكوارث والأزمات، من خلال منهج موحد ومعتمد دولياً وبشراكة استراتيجية مع شركة أبوظبي للخدمات الصحية «صحة»، وكلية فاطمة للعلوم الصحية، والمؤسسة الوطنية للتدريب «تدريب»، في إطار تعاونهم المشترك لتزويد العاملين في خط الدفاع الأول في الإمارات ببرامج تدريبية موحدة ومعتمدة دولياً لإدارة الطوارئ والكوارث تتبع المعايير العالمية لطب الطوارئ والأزمات.
كما دشنت أعمال الملتقى الوطني للاستجابة للطوارئ «استجابة»، الذي ينظمه برنامج الإمارات الوطني للجاهزية والاستجابة «جاهزية»، ضمن خطة استراتيجية تستهدف تدريب 20 ألفاً من كوادر خط الدفاع الأول في القطاعات الصحية والإسعافية والأمنية والحيوية، وفق منهج وطني موحد ومعتمد.
وعلى مستوى الموارد البشرية، يُعد «جاهز» أحد المشاريع التحولية الكبرى التي أطلقتها حكومة دولة الإمارات، بهدف تعزيز جاهزية المواهب الحكومية الاتحادية، ودعمها بمهارات المستقبل.
وعلى مستوى الدفاع المدني، أطلقت القيادة العامة للدفاع المدني في دبي مبادرة جاهزية المليار كبرنامج إنساني عالمي، يهدف إلى تدريب مليار شخص حول العالم بحلول عام 2027، بهدف تعزيز الوعي بالسلامة من الحرائق، ورفع مستوى الجاهزية العالمية للطوارئ. وتُعد هذه المبادرة إحدى المبادرتين الرئيستين إلى جانب قوافل الأمل، وتهدفان معاً إلى تعزيز قدرات الوقاية والاستجابة لمخاطر الحرائق على مستوى العالم، بهدف إحداث نقلة نوعية في مجال السلامة من الحرائق عالمياً، من خلال نشر ثقافة الوقاية والاستعداد عبر التعليم الجماهيري والتدريب المتاح للجميع، وذلك بمشاركة 34 دولة، بمساندة 16 منظمة إطفاء رئيسية لينتج عنها تدريب مليار شخص حول العالم على أسس الوقاية والسلامة من الحرائق.
وعلى المستوى العسكري، تعرّضت دولة الإمارات، منذ 28 فبراير المنصرم وحتى 6 إبريل/نيسان الجاري، لهجمات إيرانية عدائية سافرة، قدرت بأكثر من 2755 صاروخاً باليستياً وجوالاً وطائرة مسّيرة، بنسبة 57% من الصواريخ والمسيرات التي أطلقتها إيران على دول مجلس التعاون الخليجي. ومن المفارقة أنّ دولة الإمارات كانت أقل الدول تضرراً من حيث الخسائر المادية، والأعلى من حيث نسبة تحييد الهجمات الصاروخيّة والجوية الإيرانية، التي بلغت نحو 96%. وقد ألقيتُ الضوء على كفاءة الدفاع الجوي الإماراتي في مقال سابق على صفحات الخليج بعنوان: «درع السماء الخليجية»، ما يكشف بجلاء عن اليقظة الدائمة والجاهزية العالية التي أسستها كافة مؤسسات وأجهزة الدولة على مدار سنوات من العمل للتعامل مع مختلف المخاطر.
ولعل أبلغ أثر لهذه الجاهزية التي أسستها الدولة أن حياة الأفراد العاديين لم تتأثر في مختلف الأنحاء بدولة الإمارات، لتستمر دولة الإمارات واحة للأمن والاستقرار ونموذجاً للجاهزية والتأهب في زمن اللايقين.
وأحب أنْ أختم هذا الحديث بجزء من مداخلة د. سيف الظاهري، المتحدث باسم الهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث، حيث أوضح «أن قصة الإمارات هي قصة شعب أتقن الجاهزية وحوّل التحديات إلى فرص، وأن الجاهزية فيها ليست ردّ فعل، بل نهج دولة.. لا ننتظر الأزمات، بل نسبقها ونصنع منها النجاح».
[email protected]
د.صلاح الغول
في نظريته الرائدة عن مركب الأمن (نظام الأمن) الإقليمي، حدّد باري بوزان، وزملاؤه في مدرسة كوبنهاغن للدراسات الأمنية الدولية (2003)، متغير أنماط أو مستويات الصداقة والعداوة في الإقليم كأحد أهم المتغيرات التي يقوم عليها نظام الأمن الإقليمي. ففي الأقاليم التي تسود فيها أنماط الصداقة، تكون درجة الترابط الأمني مرتفعة، ويتخذ هذا الترابط شكل اعتماد إيجابي متبادل، ما يؤدي إلى نشوء «مجتمع أمني» أو جماعة أمنية مثل أوروبا الغربية. أما في المناطق التي تسود فيها أو يغلب على تفاعلات دولها أنماط العداء، فإن الترابط الأمني بينها يأخذ شكل اعتماد سلبي متبادل، ما يفضي في النهاية إلى تشكيل نظم أمنية صراعية، مثل الشرق الأوسط وشرقي آسيا.
وتتولد علاقات العداوة والصداقة من ديناميكيات التفاعل بين الدول المكونة للنظام الإقليمي، والتي تحددها العوامل الجغرافية والتاريخية والثقافية والاقتصادية وغيرها، وتنتج على أساسها حالة الاعتماد المتبادل سواء باتجاه الحرب أو السلام. ولكنّ بوزان أو أياً من زملائه لم يتصوروا، أو يدر بخلدهم أنْ تسعى إحدى دول إقليمٍ ما سعياً، ومن دون أي مسوغات منطقية أو واقعية، إلى قلب علاقات الصداقة، بمستوياتها المتباينة، التي جاهدت لتأسيسها على مدار عقود مع جيرانها إلى أنماطٍ متصاعدة المستوى من العداوة معهم.
ولكنها حصلت على أية حال مع العدوان الإيراني الغاشم الحاقد على دول مجلس التعاون الخليجي منذ 28 فبراير/ شباط المنصرم. ويتخذ هذا العدوان المستمر حتى كتابة هذه السطور صور الهجمات الصاروخية (بالصواريخ الباليستية والجوالة) والجوية (بالطائرات المسيرة الانتحارية) التي استهدفت كيان هذه الدول وبنيتها التحتية والحيوية والمقار الدبلوماسية والقنصلية فيها وحياة مواطنيها والمقيمين فيها من المدنيين؛ والإرهاب السياسي عن طريق تجنيد أو التشجيع على تجنيد وتشكيل خلايا إرهابية في البحرين والكويت ودولة الإمارات؛ والإرهاب الاقتصادي (أو استخدام سلاح بلطجة المضائق كما يسميها الدكتور أنور بن محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السموّ رئيس الدولة) عن طريق إغلاق مضيق هرمز وتعطيل حرية الملاحة البحرية في المياه المحيطة بالجزيرة العربية واستهداف ناقلات النفط؛ وتوظيف أدوات القوة الهدّامة تجاه جيرانها من تخريب وخداع وتهويل وتنمر ومعلومات مغلوطة، إضافة الي التجسس، والحرب النفسية، والدعاية والحروب الإعلامية وقلب الحقائق.
والواقع أنّ الإيرانيين الذين برعوا منذ القدم في صناعة السجاد العجمي، برعوا سلباً في خداع جيرانهم قبل الحرب بشأن نواياهم، وكشفوا «عن عدوان مبيّت» رغم جهود دول مجلس التعاون الصادقة لتفاديها، بل احترفوا تحويل تجارة وتصدير الزعفران إلى تصدير الأكفان والموت للأبرياء. والمفارقة المرة أنّ الهجمات السافرة على دول مجلس التعاون، الجيران الأعزاء في الدعاية الإيرانية، شكلت نحو 83% من مجموع الهجمات الصاروخية والجويّة التي شنتها طهران منذ بدء الحرب الأمريكية-الإسرائيلية عليها؛ ما يعني أنّ نصيب إسرائيل، وهي العدو في التصور الإيراني، كان نحو 17% فقط من هذه الهجمات.
إنّ استمرار العدوان الإيراني السافر على دول مجلس التعاون لا يزيد النظام الإيراني إلا عزلةً، سواء في إطاره الإقليمي أو في المحيط الدولي، حيث أدان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بالإجماع الهجمات الإيرانية التي استهدفت دولة الإمارات ومملكة البحرين وسلطنة عمان ودولة قطر ودولة الكويت والسعودية والأردن. كما أنه «في ضوء العدوان الإيراني الإرهابي الغاشم وغير المبرر على دولنا، أصبح من غير الممكن التعايش مع النظام الإيراني مع استمرار سلوكه ونهجه الحالي تجاه دول المنطقة»، كما أوضح بجلاء خليفة بن شاهين المرر، وزير دولة، في المجلس الوزاري لجامعة الدول العربية في اجتماعه في دورته العادية الــ 165، في 30 مارس/ آذار 2026.
إذاً ما هو الحل؟ يتمثل موقف دول الخليج في دعم المسار الدبلوماسي والحل السياسي، بما يفضي إلى وقف الاعتداءات الإيرانية، وبناء ترتيبات أمنية إقليمية مستدامة. ولكن دول مجلس التعاون ترى ضرورة إشراكها في أي مفاوضات أو اتفاقيات تتعلق بمستقبل المنطقة، وترفض إغلاق مضيق هرمز، وفرض رسوم على العبور أو إعلان السيادة الإيرانية عليه، وترفض كذلك أية ترتيبات إقليمية لتغيير خريطة الشرق الأوسط بعد الحرب.
وبالنسبة لدول الخليج، فإنه لا يكفي مجرد وقف إطلاق النار، وإنما لا بد من حل سياسي يعالج العدوان الإيراني عليها، ويتضمن «ضمانات واضحة تمنع تكرار الاعتداء مستقبلاً، وأن يكرّس مبدأ عدم الاعتداء، ويعتمد التعويضات الإيرانية عن استهداف المنشآت المدنية والحيوية والمدنيين». وعليه، لا بد من البحث عن حلول طويلة المدى تكبح مصادر التهديد الرئيسية (الصواريخ الباليستية والجوالة، والمسيّرات، ومضيق هرمز، والوكلاء الإيرانيين من غير الدول في اليمن والعراق ولبنان) ومنع تحولها إلى تهديد دائم.
ومن ثم، فإن أي اتفاق محتمل لإنهاء هذه الحرب يجب أن يعالج مثالب الاتفاقات السابقة، والتي تتعلق بعدم إشراك دول مجلس التعاون الرئيسية في المفاوضات، وعدم أخذ مصادر تهديد أمنها الوطني في الحسبان.
[email protected]
د.صلاح الغول
أقتبس هذا العنوان من تصريح بليغ للدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة، الذي بيّن أن هجمات إيران العدوانية على دول الخليج تعيد تشكيل أمن الخليج، وتفرض كبح «بلطجة المضائق»، وهي الظاهرة المزمنة التي تعاني منها منطقة الشرق الأوسط منذ عقود من الزمن.
وقبل تحليل هذه الظاهرة التي تحول الدول إلى «بلطجية»، بالعامية المصرية، أو «شبيحة» بالتعبير الشامي، وبيان كيفية التعامل معها، نشير إلى أن «البلطجة» أو «التشبيح»، التي لا تختلف كثيراً عن مفهوم «السلام عن طريق القوة»، أصبحت ظاهرة شائعة في العلاقات الدولية المعاصرة، ما يهدد النظام الدولي القائم على القواعد، الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، ويضرب في الصميم القانون الدولي والشرعية الدولية. وبرغم أن هذه الظاهرة تفسح المجال لقانون الغاب أو البقاء للأقوى ليسود السياسة العالمية، فإنها دليل ضعف وليست دليلاً على قوة من يمارسها. واقرأ، إن شئت، روايات نجيب محفوظ عن الفتوات الذين يصبحون بلاطجة في آخر عهدهم، والفتونة التي تصير نوعاً من الإرهاب بحقّ الناس لابتزازهم وسلب أموالهم. ومن المفارقة أن نفس الدول «الغربية» التي أسهمت في تشييد نظام دولي قائم على القواعد هي نفسها التي تعمد إلى هدم هذه القواعد، وتقويض النظام الدولي من أساسه.
ومن المفارقة أيضاً أن ظاهرة بلطجة المضائق والممرات المائية الدولية في منطقة الشرق الأوسط ارتبطت في معظمها بالجمهورية الإيرانية منذ حرب الخليج الأولى أو الحرب العراقية-الإيرانية في ثمانينيات القرن المنصرم. فخلال هذه الحرب الضروس، التي استمرّت زهاء ثماني سنوات، هددت إيران حرية الملاحة في الخليج العربي، وفي مضيق هرمز الحيوي الذي ينساب عبره أكثر من خمس الإمدادات العالمية من النفط، وفجرت حرباً أخرى ما سمعنا عنها في العالمين، وهي حرب الناقلات، ناقلات النفط.
وقد قادت هذه الحرب الحارقة إلى عسكرة المياه الدولية في منطقة الخليج العربي، واضطرت الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، إلى مرافقة الناقلات بسفنها الحربية. كما أدت إلى اضطراب أسواق النفط العالمية، والتسبب في أزمة طاقة على المستوى الدولي طالت تداعياتها كافة الدول، بما في ذلك إيران نفسها.
ثم جاءت حرب غزة في أكتوبر 2023 لتحيي ظاهرة بلطجة المضائق من جديد، ولكن هذه المرة عن طريق أحد أذرع أو وكلاء إيران في المنطقة، جماعة الحوثي في اليمن. وقد نتفق أو نختلف مع الطرح الحوثي «الماكيافيللي» بأن تهديدهم لحرية الملاحة البحرية، ولاسيما للسفن الإسرائيلية وسفن الدول الغربية الداعمة لها، في مضيق باب المندب والبحر الأحمر هو نوع من الدعم لأهل غزة الذين كانوا يتعرضون للإبادة الجماعية على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، إلا أن هذا الطرح هو جوهر منطق البلطجة الدولية. فمن المعروف أنه لا يستقيم دعم قضية عادلة، مهما بلغت درجة عدالتها، بوسائل غير مشروعة، مثل تهديد الأمن البحري وحرية الملاحة في الممرات المائية الدولية.
وقد انقلب السحر على ساحره، فتعرضت قدرات الحوثيين العسكرية والاقتصادية، بل والسياسية، لتدمير هائل على يد الولايات المتحدة وإسرائيل وغيرهما. والواقع أن أعمال البلطجة الحوثية في المياه الدولية جنوب وشرق الجزيرة العربية لا تختلف كثيراً عن أعمال القرصنة البحرية التي تزعمها القراصنة الصوماليون من قبل في المحيط الهندي وبحر العرب، الأمر الذي أفضى إلى النتيجة المحتومة: زيادة عسكرة المياه الدولية في المنطقة، حيث تداعت الدول والمنظمات الدولية إلى حماية الأمن البحري وحرية الملاحة بالأساطيل المسلحة.
ومن قديم، وإيران تهدد بإغلاق مضيق هرمز وعرقلة الملاحة البحرية في الخليج العربي بألغامها وقواربها السريعة وصواريخها البالستية. ثم جاءت الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة على إيران، برغم إدانتها من دول الخليج العربية، لتقدم مسوغاً للجمهورية الإسلامية لتنفيذ تهديداتها، والإضرار باقتصادات جيرانها. والأهم من ذلك، تبخر التعاطف الخليجي مع «الجيران الأعزاء» على الضفة الأخرى من الخليج العربي. وكأن إيران بعقليتها المأزومة تندفع نحو الانتحار الاستراتيجي متكامل الأركان، فالموقف الخليجي تجاه إيران أصبح يعبر عن عداء كامن قد ينفجر في أي لحظة بعد الاعتداءات الإيرانية الغاشمة بالصواريخ والمسيرات على مرافقها المدنية والعسكرية، برغم ثبات دول مجلس التعاون الخليجي على موقفها بعدم السماح باستخدام أراضيها أو مياهها الإقليمية أو أجوائها في الهجوم على إيران. ومن الأمور المفارقة للمنطق والواقع، وكدت أقول: من الأمور المجنونة أن يكون حق الجيرة إصابة الجيران من دول الخليج بنحو 85% من الصواريخ البالستية والجوالة والطائرات المسيرة التي أطلقتها الجمهورية الإسلامية منذ 28 فبراير المنصرم!
والحقيقة، كما يؤكد أنور قرقاش، فإن الهجمات الإيرانية الغاشمة أحدثت تحولاً واضحاً في منظومة الأمن الخليجي مع تعزيز القدرات الوطنية والتعاون المشترك. كما أن التصعيد الإيراني يدفع نحو تعميق الشراكات الأمنية مع الولايات المتحدة وترسيخ استقلالية أمن الخليج. ومن اللازم البحث عن حلول طويلة المدى تكبح التهديدات (الصواريخ، المسيّرات، ومضيق هرمز) ومنع تحولها إلى تهديد دائم.
[email protected]
د. صلاح الغول
مع تصاعد الحرب في المنطقة، عمدت طهران لنقل المواجهة إلى الخليج، عبر موجات متتالية لا تتوقف من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والمسيّرات، لكن السماء كشفت مفاجأة مختلفة، خصوصاً في الإمارات، عن مستوى مختلف من الجاهزية الدفاعية الخليجية.
فخلال عقدين، بنت دول الخليج منظومات دفاع متعددة الطبقات، إنذار مبكر، رادارات بعيدة المدى، وأنظمة اعتراض للصواريخ الباليستية وكروز والمسيّرات، وقد اختُبرت هذه القدرات فعلياً، حيث نجحت الإمارات في اعتراض هجمات إيرانية معقدة بنسبة تجاوزت 96%.
ورغم تنوع الترسانة الإيرانية ومحاولات الإشباع الصاروخي، فإن التكامل الدفاعي الخليجي يقلص كثيراً من فعالية هذه التهديدات، ويحافظ على توازن الأمن في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.
وتبرز حالة دولة الإمارات كنموذج يُحتذى في هذا الإطار، فبرغم تأكيدها أكثر من مرة أنها لن تسمح باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي أو مياهها الإقليمية في الهجمات الأمريكية على إيران. وعلى الرغم من الاختلال الحاد في الموارد البشرية والجغرافية لصالح إيران، فإن الإمارات -التي يبلغ عدد سكانها نحو 11 مليون نسمة، لا يشكل المواطنون سوى قرابة 10% منهم-تُظهر قدرات ردع ودفاع متقدمة للغاية.
ولا يعود هذا إلى الحظ، بل هو نتاج نهج تراكمي تطوّر عبر السنوات، يزاوج بين تحالفات قائمة على الحياد المتوازن في الأزمات الدولية، ورؤية استراتيجية لقيادة متبصرة تهدف إلى الانتقال من دولة مستورِدة لقدرات الدفاع إلى دولة تطوّر قدراتها التكنولوجية المتقدمة ذاتياً، بما يعزز أمنها الوطني وازدهارها الاقتصادي، كما أنه نتاج شراكات استراتيجية متنوعة في مجال الصناعات الدفاعية، تضم، بالإضافة إلى الولايات المتحدة والدول الغربية الرئيسية، كوريا الجنوبية والصين وروسيا وتركيا وغيرهم.
وقد أسفر هذا المزيج من الشراكات الدولية والقدرات الوطنية عن بناء منظومة دفاعية متعددة الطبقات تُعد من الأكثر تطوراً في العالم والمنطقة، وبميزانية دفاع سنوية تقارب 27 مليار دولار-يُخصص جزء كبير منها لمنظومات الدفاع الجوي، والقدرات السيبرانية، والحرب الإلكترونية- نجحت الإمارات في تشييد نموذج «ردع شبكي» يجمع بين أحدث التقنيات، والتكامل النظامي، وشراكات دولية متنوعة تستند إلى سمعة موثوقة ومعروفة، يشكّل نظام الدفاع الجوي الوطني الركيزة الأهم لصمود دولة الإمارات في هذه المرحلة، وهو منظّم في ست طبقات مترابطة ومتكاملة، تجمع بين تقنيات مستوردة وقدرات صناعية طُوّرت محلياً.
في أعلى المستويات، يعتمد النظام على منظومة ثاد THAAD الأمريكية، القادرة على اعتراض الصواريخ الباليستية في المرحلة النهائية، سواء خارج الغلاف الجوي أو في أعاليه، باستخدام تقنية (الاصطدام الحركي المباشر) دون متفجرات لتقليل الحطام، وتعتمد الطبقة الثانية على منظومة باتريوت (MIM-104 PAC-3) لاعتراض الصواريخ الباليستية التكتيكية وصواريخ كروز والطائرات المقاتلة، مع توجيه راداري نشط وقدرة على العمل في ظروف الإشباع.
أما الطبقتان الثالثة والرابعة، فتعتمدان على منظومتي M-SAM (Cheongung II) الكورية-الجنوبية ومنظومة Barak 8، القادرتين على التعامل مع الطائرات وصواريخ كروز والذخائر الموجهة بدقة، وبمدى يقارب 100 كيلومتر وتغطية شاملة بزاوية 360 درجة، بما في ذلك المروحيات، والصواريخ المضادة للسفن، والطائرات المسيّرة.
وتستند الطبقة المتوسطة–المنخفضة إلى منظومة Pantsir-S1 الروسية، الفعّالة ضد الأهداف منخفضة الارتفاع، بما في ذلك أسراب الطائرات المسيّرة، من خلال الجمع بين الصواريخ والمدافع.
أما الطبقة الأخيرة فتعتمد على تكنولوجيا إماراتية خالصة عبر منظومة SkyKnight التي طوّرتها شركة أو مجموعة إيدج EDGE، بمدى يصل إلى 10 كيلومترات، وقدرة على تتبع 80 هدفاً في آن واحد، ومعدل إطلاق سريع يصل إلى خمسة صواريخ في الثانية، ومتكاملة ضمن أنظمة Skynex للأصول الثابتة والمتحركة.
وتوفّر هذه البنية السداسية الإماراتية للدفاع الجوي قدرة دفاعية شاملة تضمن مرونة عالية في الاعتراض: إذا أخفقت THAAD تتدخل باتريوت، ثم M-SAM أو Barak 8، تليها Pantsir، وأخيراً SkyKnight.
والنتيجة تُعد مثيرة للإعجاب حتى مقارنة بالعديد من الدول الغربية المتقدمة.
فمنذ 1-17 مارس (آذار) الجاري، أطلقت طهران 314 صاروخاً باليستياً، و15 صاروخاً جوالاً (كروز)، و1672 طائرة مسيرة ضد أهداف إماراتية، جرى اعتراض 96% منها جميعاً، وبلغت الخسائر ثماني وفيات وأضراراً محدودة بالبنية التحتية المدنية أو الحيوية، معظمها ناجم عن حطام عمليات الاعتراض.
ومع أن الاختبار الحقيقي يكمن في القدرة على الاستدامة خلال حرب استنزاف، فإن الصمود الإماراتي —سياسياً وعسكرياً— يوجه رسالة واضحة: كل إخفاق إيراني يُقوّض مصداقية طهران، وكل نجاح إماراتي يعزز ثقل الدولة في النظام الإقليمي والأسواق العالمية ومسارات الملاحة، وفي إقليم يموج فيه سعير الصراع، لا تدافع دولة الإمارات عن نفسها فحسب، بل تحمي أيضاً نظامها الخليجي بل والتوازن الذي تستند إليه السياسة والاقتصاد العالميان.
والخلاصة أن دولة الإمارات تُظهر قدرة فائقة ومثيرة للإعجاب على الصمود أمام الاعتداءات الإيرانية السافرة، عن طريق درع جوي سداسي الطبقات، وردع قائم على القدرات الدفاعية الوطنية، وشبكة من الشراكات الدولية المتنوعة.
[email protected]
د.صلاح الغول
عجيب أمر الإمارات وشعبها. والأعجب منه شأن قادتها. والأكثر عجباً هو حال قائدها الأعلى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، في التعاطي مع الهجمات الإيرانية العدوانية والعشوائية على بعض المواقع العسكرية والمدنية والبنية التحتية في عددٍ من مناطق الدولة. ومصدر العجب كله هو أنّ قافلة الإمارات تسير، برغم الحرب التي طالتها من دون داع منطقي أو سبب واقعي، وبرغم ظلال الكآبة الناتجة عن الدخان المتصاعد وحطام الصواريخ والمسيرات الإيرانية بنسبة نجاح فاقت ال94 في المئة، وحالة الاضطراب الهائل الذي يموج به الإقليم كله.
وكانت جولة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد في «دبي مول»، في 2 مارس/ آذار، وحرصه خلال الجولة على تحية المتسوّقين والتفاعل معهم، وإيصال رسالته المعهودة والمحمودة «لا تشيلون هم»... كاشفة للعلاقة المباشرة و«الأبوية» بين الحاكم والمحكوم، ومستوى الثقة في حالة الأمن والأمان بالبلاد. ولكن زيارة سموه للمصابين في الأحداث، في 5 مارس/ آذار، وحرصه على الاطمئنان بنفسه على أحوالهم، أظهرت بجلاء أن دولة الإمارات «قدوة»، كما عبر سموه خلال الزيارة، في التعامل مع الأزمات، لأن قيادتها «قدوة» تتكشف في أوقات الأزمات خاصةً. ثم كانت قمة استراحة المرموم بدبي، التي جمعت سموه بصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في 6 مارس/ آذار، والتي عكفت على بحث شؤون الوطن، والتأكيد على أن دولة الإمارات ستظل واحة أمن وأمان واستقرار، وأنّ لديها القدرة على مواجهة مختلف التحديات وتجاوزها من خلال تماسك مجتمعها، وتجدد عزم شعبها، وتكاتفه وكفاءة مؤسساتها، لا سيما المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، في ظل الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تستهدف الدولة. وقد وصلت النخوة الإماراتية إلى مداها بدعوة سمو الشيخ عبدالله بن زايد، نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية، في اتصالٍ هاتفي مع نظيره الروسي سيرجي لافروف، في 8 مارس/ آذار الجاري، إلى وقف جميع الهجمات على كل من إيران ودول الخليج، والحاجة إلى استئناف الجهود الدبلوماسية لضمان أمن مستدام في المنطقة. كما دعا جمال جمعة المشرخ، سفير الإمارات لدى الأمم المتحدة، في 10 مارس/ آذار، إلى خفض تصعيد الحرب الأمريكية -الإسرائيلية مع إيران والعودة إلى طاولة المفاوضات.
وقد وجد التفاعل الإماراتي الكفء والفعّال مع أزمة الصواريخ والمسيرات الإيرانية صداه في الدوائر الإعلامية العالمية. فها هي صحيفة «ديلي ميل» البريطانية تدعو إلى استلهام الدروس من تجربة «قادة دبي وأبوظبي في مواجهة الهجمات الإيرانية»، والاستفادة من النموذج الإماراتي في القيادة الحاسمة والرؤية الاقتصادية الطويلة المدى.
وقديماً قالوا إن أكثر ما يغيظ خصومك أن تستمر وتيرة حياتك، وتسير قافلتك، كما خططت لها، لا كما يحاول الخصوم توجيهها، وهي الحكمة التي تترجمها الإمارات واقعاً يمشي على الأرض في هذه الظروف العسيرة. وفي هذا الإطار، افتتحت هيئة الطرق والمواصلات في دبي، في 6 مارس، جسرين رئيسيين ضمن مشروع تطوير محور الشيخ راشد، وأعلن بنك «كانتور» العالمي للاستثمار في 3 مارس بدء تغطية الشركات الست المدرجة التابعة ل«أدنوك»، مؤكداً أن أساسيات قطاع الطاقة في دولة الإمارات تتمتع بصلابة طويلة الأمد، مع منح جميع الشركات تصنيف «وزن ثقيل» الإيجابي.
وعلى المستوى الخارجي، واصلت الإمارات نسج شراكاتها الاقتصادية الشاملة، ودبلوماسيتها الإنسانية، ووساطتها في حرب أوكرانيا، وجهودها في مكافحة الإرهاب. فقد أعلنت الإمارات واليابان عن التوصل إلى البنود النهائية لاتفاقية شراكة اقتصادية شاملة، خلال زيارة الدكتور سلطان بن أحمد الجابر لطوكيو، وبمشاركة الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي، وزير التجارة الخارجية، في خطوة تعكس طموحاً مشتركاً للارتقاء بالعلاقات التجارية والاستثمارية إلى مستويات أكثر تقدماً. وتعد هذه الاتفاقية هي الأولى من نوعها لليابان مع دولة عربية. وتهدف الاتفاقية إلى مواصلة الارتقاء بالعلاقات التجارية والاستثمارية بين البلدين إلى آفاق جديدة من النمو الاقتصادي المتبادل.
وتتواصل المساعدات الإنسانية الإماراتية لأهل غزة، في إطار عملية «الفارس الشهم 3» لإغاثة أهل غزة في الشهر الفضيل. وكان من العجيب، في ظل هذه الظروف، أن تنجح الوساطة الإماراتية في جولتين أخريين من جولات الوساطة بين روسيا وأوكرانيا لتبادل الأسرى، وفي أقل من 24 ساعة. فقد نجحت الوساطة الإماراتية، في 5 و6 مارس/ آذار، في إطلاق 1000 أسير من الجانبين، وهو أكبر عدد يتم إطلاقه في عملية واحدة بوساطة إماراتية. وهكذا، يرتفع العدد الإجمالي للأسرى الذين تمّ تبادلهم بين البلدين منذ مطلع عام 2024، عبر 20 وساطة إماراتية، إلى 5906، وهو رقم كبير يجسد إنجازاً دبلوماسياً وإنسانياً غير مسبوق في تلك الأزمة.
وأخيراً، يجب أن نعترف بأن الخطوة الأمريكية بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان كمنظمة إرهابية تأتي تتويجاً لجهودٍ دبلوماسية إماراتية حثيثة ودؤوبة في الولايات المتحدة والعديد من المنظمات والمنتديات الدولية كشفت دور الجماعة في تأجيج الصراع الأهلي في السودان، وسد السبل أمام أي تسوية سلمية له.
[email protected]