عاد ملف «سرقة القرن» إلى واجهة المشهدين، السياسي والقضائي، في العراق، بعد إعلان لجنة النزاهة في مجلس النواب العراقي، الأسبوع الماضي، توافر دلائل جديدة تؤكد أن حجم الأموال المختلسة في القضية ارتفع من تريليونين ونصف التريليون دينار عراقي، إلى نحو 8 تريليونات دينار عراقي، أي ما يعادل أكثر من 6.1 مليارات دولار أمريكي، الأمر الذي أعاد الحياة مجدداً إلى واحدة من أكبر قضايا الفساد المالي بتاريخ العراق.
الهارب نور زهير المظفر بطل «سرقة القرن»
قضية «سرقة القرن»، أو ما تعرف في الشارع العراقي باسم رجل الأعمال العراقي «نور زهير المظفر» الذي يعد أحد ثلاث شخصيات تقف وراء هذه القضية، إذ اشترك معه هيثم الجبوري، عضو مجلس النواب العراقي الأسبق، ورائد جوحي، مدير مكتب رئيس الوزراء العراقي الأسبق مصطفى الكاظمي، تم كشفها في عام 2022، بعد أن قام المدانون الثلاثة بسرقة أموال الأمانات الضريبية التابعة للهيئة العامة للضرائب عن طريق شركات وهمية. علماً بأن أغلب الأموال المسروقة تحولت إلى عقارات، واستثمارات، أو انتقلت إلى أطراف أخرى، ما يجعل عملية استردادها أكثر تعقيداً، وتحتاج إلى وقت طويل وإجراءات قانونية دقيقة.
الغانمي يعاني ضغوطات سياسية
كشف عثمان الغانمي، وهو جنرال عراقي كبير، ويومها كان وزيراً للداخلية العراقية بحكومة الكاظمي، وتولى الغانمي بنفسه مهمة القبض على نور زهير في مطار بغداد الدولي، بعد محاولته الهروب من تداعيات القضية، أن «شخصيات سياسية عراقية كبيرة، وجهات أخرى تدخلت، بقوة لديه، من أجل الإفراج عن زهير، إلا أن الغانمي رفض الانصياع لها، وسلمه إلى القضاء العراقي».
أحكام قضائية على المتورطين
في 25 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، أصدرت محكمة جنايات الكرخ بالعاصمة بغداد، أحكاماً بالسجن لمدة 10 سنوات بحق زهير، إضافة إلى 6 سنوات بحق رائد جوحي، مدير مكتب رئيس الوزراء الأسبق، و3 سنوات بحق رئيس اللجنة المالية في مجلس النواب العراقي الأسبق، هيثم الجبوري، على خلفية تورطهم في القضية.
إعادة مبالغ ضئيلة من السرقة
في 18 أكتوبر/ تشرين الأول 2022، قال رئيس الحكومة العراقية الأسبق، مصطفى الكاظمي: إن «تحقيقاً يجري في قضية سرقة الأمانات الضريبية، متهماً جهات باستخدام القضية للتغطية على الفاسدين».
وفي 11 ديسمبر/ كانون الأول 2022، أعلن رئيس الوزراء العراقي السابق، محمد شياع السوداني، استرداد أكثر من 300 مليار دينار عراقي في مؤتمر صحفي، وعرضت المبالغ المستردة على جانبيه، وهو يخاطب الشعب العراقي حول استرداد ذلك المبلغ الذي يعد زهيداً جداً قياساً بحجم السرقة، ووعد حينها باسترداد بقية المبالغ، لكن حكومته أخفقت بعد ذلك في هذا المسعى.
إطلاق سراح نور زهير بكفالة
وأطلق سراح زهير بكفالة مالية، بعد أن قبض عليه في 24 أكتوبر/ تشرين الأول 2022 لكونه يرأس مجلس إدارة إحدى الشركات المتورطة في القضية، بعد إعلان السوداني استعادة 5% من المبلغ، وتعهد زهير بتسليم كامل المبالغ المسروقة خلال أيام، وحددت محكمة مكافحة الفساد موعداً لمحاكمة المتهم في 27 أغسطس/ آب 2024، لكنه هرب خارج العراق بعد إطلاق سراحه بكفالة، ولم يعُد إليه لغاية اليوم، كما أنه لم يسلم أيّ مبلغ مالي للدولة العراقية.
والغريب في الأمر أن زهير ظهر قبل موعد محاكمته في مقابلة تلفزيونية، دافع خلالها من نفسه، واتهم حينها أحد النواب بمحاولة ابتزازه مالياً.
مسرحية حادث السير البائسة
زهير الذي أطلق سراحه بكفالة ضامنة من أجل بيع ممتلكاته ليقوم باسترداد المبالغ المسروقة، قام بمسرحية بائسة، عندما أدعى أنه تعرض إلى حادث سير بالعاصمة اللبنانية بيروت، حيث نشر صوراً وهو مغطى بالدماء في أحد مشافي بيروت، وبعدها اختفى نهائياً عن الأنظار، وبقي اسمه يتردد على لسان العراقيين كمثل للسراق واللصوص.
البيضاني يثير القضية مجدداً
أثار طالب البيضاني، عضو لجنة النزاهة بمجلس النواب العراقي الحالي، القضية مجدداً عندما كشف أن «التحقيقات التي أجرتها هيئة النزاهة العراقية أظهرت أن قيمة الأموال المختلسة أكبر بكثير مما أُعلن عنه سابقاً»، مؤكداً، أن «قضية (سرقة القرن) كانت تقدر في وقتها بنحو تريليونين ونصف التريليون دينار عراقي، أي ما يعادل نحو 1.9 مليار دولار أمريكي، إلا أن التحقيقات كشفت وجود اختلاسات أكبر لترتفع القيمة إلى نحو 8 تريليونات دينار عراقي، أي أكثر من 6 مليارات دولار».
وأضاف، أن «عدد الشخصيات المرتبطة بهذا الملف وصلت إلى نحو 30 شخصية، وأن لجنة النزاهة في مجلس النواب العراقي ماضية بالتعاون مع هيئة النزاهة والحكومة العراقية في ملاحقة المتورطين، واسترداد الأموال، داخل العراق وخارجه».
وتابع، أن «هناك أموالاً تم استردادها، فيما لا تزال أموال أخرى خارج البلاد تتطلب تحركاً، قانونياً ودبلوماسياً، لاستعادتها، لأن هذا الملف يحتاج إلى دعم وتعاون بين لجنة النزاهة والسلطة التنفيذية باعتباره من الملفات الأساسية المرتبطة بالمال العام».
وشدد البيضاني على أن «الأموال المسروقة يجب استردادها، لأنها تم الحصول عليها بطرق غير شرعية، واسترجاعها يمثل تكليفاً وطنياً، ومحاسبة لكل من تورط بسرقة المال العام، أو الصفقات المشبوهة».
محمد رحيم الربيعي: الاحتيال غير مجرَّم بالقانون العراقي
قال محمد رحيم الربيعي، رئيس مؤسسة النهرين لدعم الشفافية والنزاهة، عضو الائتلاف العالمي لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد: إن «قضية سرقة الأمانات الضريبية، أو ما يطلق عليها (سرقة القرن) للتغطية على سرقات أكبر، حقيقة أنها تمثل نهب حقيقي للأموال من خلال اتباع أسلوب استغلال النفوذ لتحقيق منفعة خاصة، وأن استمرار الجريمة بهذا الشكل يكشف مدى تغلغل الفساد في المؤسسات الحكومية العراقية وبغطاء سياسي، لأنه في بداية كشف الجريمة كانت المبالغ تقدر بأكثر من 2.5 مليار دولار أمريكي، أما حالياً، فتتجاوز أضعاف هذا المبلغ، علما بأن استمرار الجريمة وتغلغل الفساد في الهيئة العامة للضرائب بسبب غياب الدور الرقابي، وانعدام الردع القضائي لهكذا نوع من أفعال الفساد».
وأضاف، أن «الشركات المتورطة في سرقة الأمانات الضريبية بعد أن اتخذت بحقها الإجراءات القانونية بداية الأم، لكن للأسف بعد إقرار قانون العفو العام وبوجود شبكة الفساد ذاتها في المؤسسات الحكومية، تم إيقاف الإجراءات القانونية بحق تلك الشركات، وسمح لها بالعمل مجدداً. ما سمح لها بنهب مبالغ الأمانات الضريبية».
وتابع: «تأتي ظاهرة شيوع هذا النوع من أفعال الفساد في العراق بسبب القصور التشريعي الذي يصنف هكذا فعل على أنه جريمة احتيال، وفعل الاحتيال في القانون العراقي غير مجرّم، وإنما يتم التعامل معه على أنه جنحة، وبذلك يكون مرتكب جريمة الاحتيال ممكن إطلاق سراحه بكفالة مالية، لأن فعله لا يعاقب عليه القانون كجريمة، وإنما جنحة وهذا ما حصل مع المتهمين الذين ألقي القبض عليهم سابقاً».
وكشف الربيعي، أن «مرتكبي أو ميسّري نهب الأمانات الضريبية هم من موظفي الهيئة العامة للضرائب، وهم الفاعلون الرئيسيون، وتساندهم بذلك وزارة المالية، وبغطاء سياسي. لذلك هذا يعتبر ثغرة كبيرة في التشريعات العراقية، وعدم مواءمتها مع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي أنضم لها العراق منذ عام 2007، لأن الاتفاقية تجرّم هكذا أفعال لكن للأسف القانون العراقي لم يجرمها، ولم يتم اتخاذ التدابير الاحترازية بعد أن اكتشف المرحلة الأولى من عملية نهب الأمانات الضريبية.
كما أود ان أشير إلى أمر مهم وهو أن أفعال نهب الأمانات الضريبية تعتبر أحد أفعال (حكم اللصوص) استناداً إلى الدليل التشريعي لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، إضافة إلى افعال تجارة المخدرات، وتهريب الآثار، ونهب الأصول العامة، ما يتسبب بإساءة كبيرة للبلد من خلال تصنيف نظام الحكم فيه».
موسى: خلل في آليات تنفيذ القانون
الخبير في مجال مكافحة الفساد، سعيد ياسين موسى، يرى أن القضية كشفت عن خلل واضح في آليات تنفيذ القانون، على الرغم من أن الجهات الرقابية والقضائية قامت بجزء مهم من مهامها.
وقال موسى: إن «التحقيقات في هيئة النزاهة والتحقيقات القضائية استكملت حينها، وتم الحكم على شركات وموظفين متعاونين، مع الإفراج عن بعضهم بكفالة لحين مثولهم أمام محكمة الموضوع».
وأضاف أن «السلطة التنفيذية كان يفترض أن تتولى مهمة استرداد أموال الأمانات الضريبية المنقولة وغير المنقولة، لكن ما حدث هو هروب المتهم الأول خارج العراق بسبب عدم تقييد حركته، ومنعه من السفر لحين مثوله أمام المحكمة، ما يعكس تقصيراً واضحاً من الجهة المسؤولة عن إنفاذ القانون».
وأوضح أن «الأموال التي جرى استردادها حتى الآن تبقى محدودة مقارنة بحجم الأموال المختلسة».
وكشف أن «قيمة المبلغ المرتبط بالقضية كانت تقدر بحوالي 9 مليارات دولار أمريكي في حينها».
ورأى، موسى أن «تشريع قانون العفو العام من مجلس النواب العراقي، وما تبعه من تسويات وتقسيط لبعض الأموال، أثار جدلاً واسعاً داخل الشارع العراقي».
وأكد أن «الجهات الرقابية، مثل هيئة النزاهة، قامت بواجباتها القانونية، وأحالت القضية إلى القضاء، الذي باشر التحقيق وفق القانون النافذ، إلا أن التقصير كان في مرحلة تنفيذ الإجراءات القانونية».
مجاشع محمد: الغموض أخطر من الفساد نفسه
من جانبه، قال الباحث السياسي مجاشع محمد: إن «قضية نور زهير لم تعُد مجرد ملف فساد مالي، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة العراقية على فرض العدالة واستعادة ثقة الجمهور بالمؤسسات».
وأضاف أن «المشكلة الأساسية لا تتعلق بحجم الأموال أو تفاصيل سرقة القرن فقط، وإنما بالرسائل السياسية والقانونية التي رافقت القضية منذ بدايتها، خاصة ما يتعلق بآليات التسوية، وإعادة جزء من الأموال، وطبيعة الحماية التي يعتقد كثيرون أنها وُفرت لبعض المتورطين».
وأشار إلى أن «الشارع العراقي اليوم لا ينظر إلى الملف باعتباره قضية فرد، بل كرمز لبنية فساد معقدة تشابكت فيها المصالح السياسية، والإدارية، والاقتصادية».
وأوضح أن «أيّ تسوية غير شفافة أو تأخير في كشف الأسماء المتورطة سيفسر شعبياً على أنه عجز للدولة، أو انتقائية في تطبيق القانون. علماً بأن حسم الملف يتطلب إعلاناً قضائياً واضحاً للرأي العام يتضمن تفاصيل الأموال المستردة، ومسار التحقيق، والجهات المتورطة، لأن الغموض أخطر من الفساد نفسه، لكونه يضرب ما تبقى من ثقة المواطن بالدولة».
الخالصي: الفساد بدّد طاقات العراق وإمكاناته
السياسي العراقي جواد الخالصي، أكد أن «هذا الفساد أهدر سنوات العمر، وبدّد طاقات العراق وإمكاناته، وأوقع الشعب العراقي في أزمة متجددة لا تنقطع».
ورأى أن «هذا الفساد الداخلي لم ينشأ في فراغ، بل صنعه فساد ممنهج بدأ قبل احتلال العراق في عام 2003 وترسّخ بعده».