تحدت امرأتان في الصين القديمة القيود الاجتماعية الصارمة والتحيزات السائدة في عصريهما، ليقدما إسهامات علمية وطبية رائدة وضعت الأسس الأولى لعلم التشريح المرضي والفيزياء الفلكية الحديثة، رغم ما واجهتاه من عقوبات قاسية وصلت إلى السجن والإعدام.
ففي عهد السلالات الجنوبية (قبل نحو 1500 عام)، سجلت الطبيبة الشعبية تشانغ شيوغو اسمها كإحدى أوائل المساهمات في علم التشريح المرضي بالبلاد، إثر قيامها بتشريح جثة زوجها الطبيب تانغ سي عام 450 ميلادية، بناءً على وصيته قبل وفاته بمرض غامض تسبب في تفشي وباء محلي وتمثلت أعراضه في تقيؤ ديدان صغيرة.
وقامت تشانغ بمساعدة ابنها بفحص الأعضاء الداخلية للزوج ورصد التلف في الرئتين والكبد، ودونت نتائجها عبر رسومات دقيقة للهياكل الداخلية وتسمية الأعضاء وعلامات المرض، وهي الوثائق التي تُصنف كأقدم المواد المتعلقة بدراسة علم الأمراض البشرية في الصين.
ودفعت الطبيبة وابنها ثمناً باهظاً لكسر هذا الحظر العقائدي، إذ كان يُنظر للتشريح كجريمة أخلاقية كبرى بدعوى انتهاك حرمة الجسد الممنوح من الوالدين، ما دفع أحد أثرياء المنطقة للإبلاغ عنهما.
وقضت المحكمة بسجن تشانغ لمدة تتراوح بين 5 إلى 9 سنوات بتهمة «عدم مراعاة واجبات المرأة»، فيما نُفذ حكم الإعدام بحق ابنها بتهمة «العقوق» لتأييده قرار والدته.
وبرزت في عهد أسرة تشينغ (1644-1912) العالمة وانغ تشن يي التي علمت نفسها بنفسها بعد حرمانها من التعليم الرسمي لكونها أنثى، لتنجح في دمج أساليب الرياضيات الصينية والغربية، وتؤلف كتاباً يفسر «مثلث فيثاغورس» وحسابات عصي العد، ولم تتجاوز العشرين من عمرها.
وتمكنت وانغ من تقديم أحد أقدم التفسيرات العلمية الدقيقة لظاهرة خسوف القمر في كتابها «تفسير خسوف القمر»، مستعينة بتجربة منزلية بسيطة استخدمت فيها مرآة وفانوساً لمحاكاة انعكاس ضوء الشمس. كما تتبعت حركة الكواكب واتجاه دورانها، متحدية القوانين السياسية الصارمة آنذاك والتي كانت تحظر الدراسة الفردية للفلك، لأن الأباطرة كانوا يربطون بين حركة السماء ومصير الدولة.
ورغم الهجوم الحاد الذي تعرضت له وانغ من العلماء المحافظين، واصلت أبحاثها حتى وفاتها جراء المرض في سن الـ29 دون أن تترك أطفالاً، لتظل مؤلفاتها حبيسة نطاق ضيق لعقود بسبب التحيز، قبل أن يعيد العلم الحديث اكتشاف إرثها؛ حيث صنفتها مجلة «نيتشر» العالمية كإحدى النساء اللواتي وضعن أسس العلوم، وأطلق الاتحاد الفلكي الدولي اسمها على إحدى الفوهات البركانية في كوكب الزهرة تكريماً لإنجازاتها.