في مشهد اقتصادي متدهور بسرعة غير مسبوقة، لم تحدث منذ الحرب العالمية الثانية، يعيش الإيرانيون أزمة معيشية خانقة وصفها الكثيرون بأنها «مجاعة مالية» حقيقية، إذا لا يجد غالبيتهم أي مدخرات أو أموال لتأمين حاجتهم من السلع الأساسية، رغم توفرها إلى حد ما في الأسواق، في ظل أسعار ترتفع «ساعة بعد ساعة» على مدار اليوم الواحد، فيما يحاول قادة البلاد المراوغة أمام اتفاق لوقف الحرب ينهي الحصار الأمريكي، ويفرج عن مليارات الدولارات من عوائد النفط المجمدة.
ويؤكد محللون أن ما تعانيه إيران ليس مجرد أزمة أسعار، بل مجاعة مالية حقيقية - حيث تتوفر السلع على الرفوف تقريباً، لكن الأيدي لا تستطيع الوصول إليها لغياب النقود. ومع استمرار الحصار وغياب أفق سياسي واضح، يبدو أن الأسوأ لم يأت بعد بالنسبة للإيرانيين العاديين الذين يدفعون ثمن أزمات لم يتسببوا فيها.
ومع عودة السفن من الموانئ الجنوبية إلى إيران وتراجع التجارة إلى حد كبير، لم يعد الضغط الاقتصادي محسوساً فقط في المكاتب الحكومية الإيرانية، بل في المطابخ والمصانع والمتاجر الصغيرة.
ماذا تقول لغة الأرقام الحقيقية؟
وتفيد لغة الأرقام بتضخم تاريخي ينذر بمكارثة حقيقة، فوفقاً للمركز الإحصائي الإيراني، بلغ التضخم السنوي العام (مايو) 57.7%، بينما التضخم الحقيقي الذي تلمسه الأسر 84%، كما ارتفعت أسعار المواد الغذائية 130%.
وعلى مدار 12 شهراً وحتى قبل انطلاق الحرب الحالية، شهدت أسعار السلع الأساسية ارتفاعات فلكية، فعلى سبيل المثال، ارتفع سعر الأرز 223%، والدجاج287%، والبيض 343%، وزيت الطهي السائل 354%
وزيت الطهي الصلب 431%. في المقابل، ارتفع سعر البطاطس بنسبة أقل من 20% فقط، ما يعكس تفاوت الأزمة حتى داخل سلة التسوق الواحدة.
رحلة الجبن.. قصة ترتفع أسعارها كل يوم
ويحكي الإيراني جلال (35 عاماً) الذي فقد وظيفته في مصنع صغير قرب طهران، لصحيفة التليغراف: «اشتريت عبوة صغيرة من الجبن الثلاثاء بـ 270 ألف تومان (1.12 جنيه إسترليني). وبعد يوم واحد فقط، الأربعاء، بلغ سعرها 370 ألف تومان (1.54 جنيه إسترليني). ويقول صاحب المتجر إنه في أغلب الأحيان لا يستطيع شراء نفس السلعة بنفس السعر في اليوم التالي، لذلك يرفع أسعاره».
ويعلق غالبية أصحاب المتاجر الصغيرة لافتات: «اسأل عن الأسعار قبل التسوق، لأنها ترتفع».
«مجاعة مالية» لا مجاعة سلع
ويصف آراش (29 عاماً)، أب لطفل واحد ويعيش في مدينة صغيرة خارج طهران، الأزمة بعبارة موجزة قائلاً: «كل شيء باهظ الثمن، وهناك شائعات بأنه سيزداد غلاءً. إنه أشبه بمجاعة - لكن الفرق هو أن السلع متوفرة في المتاجر. المشكلة تكمن في نقص المال. إنها مجاعة مالية»، ويضيف أن راتبه اليومي 1.2 مليون تومان، بينما نفقاته اليومية تزيد على 2 مليون تومان، موضحاً من الذاكرة مقارنة بين أسعار السلع قبل عام وأسعارها حالياً، قائلاً، كان سعر رغيف خبز بربري 3,000 تومان، بينما بلغ حالياً 8,000 تومان، أما كيلو المشمش فكان بـ 150,000 تومان، لكنه وصل إلى 500,000 تومان. كما يقول إن ثمن كيلو اللحم الأحمر حالياً 2.5 مليون تومان (أكثر من 10 جنيهات إسترلينية).
راتب الشهر لا يكفي لأسبوع
ويحكي إحسان (32 عاماً)، أب لطفلين ويعمل في مشروع تجاري صغير في أصفهان: «أتسلم راتبي (30 مليون تومان = نحو 125 جنيهاً إسترلينياً) في أول سبت من كل شهر، وبحلول يوم الأربعاء يكون قد نفد بالكامل. يُنفق على الإيجار والطعام والمواصلات، إضافة إلى سداد ديون اقترضتها من الأقارب. وما زلت غارقاً في الديون - ديون كثيرة - حتى مع مرور الأيام».
ويقول إن دورة ديون لا تنتهي، حيث يتصل بأقاربه عندما ينفد المال، وعادة لا يملك الأقارب شيئاً ليقرضوه، وصاحب المتجر يطالبه بسداد ثمن بضائع اشتراها بالدين، ويقول: «الناس لا يملكون مالاً. لم يكن الوضع هكذا خلال الحرب، لكنه يزداد سوءاً يوماً بعد يوم».
التفاوت الجغرافي والطبقي في تحمل العبء
ويظهر التفاوت في تحمل عبء التضخم بين الريف والمدن، فقد تجاوز في مناطق ريفية 100%، أي أعلى بـ 20 نقطة مئوية من المدن، كما يظهر التفاوت حسب الدخل، فبينما سجل ارتفاع الأسعار بالنسبة لأدنى فئتين دخل 95% خلال العام الجاري، فإن نسبة الارتفاع بالنسبة للأغنياء نحو 82%.
ومن حيث الموقع الجغرافي، فقد تم تسجيل أعلى تضخم في المحافظات الغربية، وهي لورستان، وكردستان، وكرمانشاه، وإيلام، حيث ارتفعت الأسعار فيها بأكثر من الضعف.
أما طهران فقد سجلت أقل نسبة تضخم في البلاد، نحو69%، وهو ما يشكل فجوة كبيرة بين العاصمة وبقية المناطق.
الفقر المدقع.. أرقام صادمة
حتى قبل الحرب الأخيرة، قدر مركز البحوث البرلمانية الإيراني أن 26 مليون شخص (نحو 30% من السكان) كانوا يعيشون في فقر مدقع، لكن تفاقم الأوضاع أدى إلى تغير العادات الاجتماعية، وتقول طالبة (27 عاماً)، خريجة علوم حاسوب من طهران، إنها تخلت هي وصديقاتها عن المقاهي التي كانت محور أسبوعهن، وأضافت: «في كل مرة كنا ندفع ملايين، وواحدة منا فقط لديها وظيفة. الآن نذهب إلى الحدائق، أو نبحث عن مكان رخيص. أحياناً نمزح قائلين إننا يجب أن نتزوج».
وتضيف أنها باعت سيارتها العام الماضي وتندم بشدة، حيث إن «نفس الطراز يكلف الآن أربعة أضعاف ما دفعته. كان من الممكن أن يكون استثماراً جيداً».
حزن الخبز.. معاناة يومية للأطفال
يقول جلال الذي فقد وظيفته، إنه يعاني أكثر من أي شيء آخر من أجل ابنته ذات الأربع سنوات، واستخدم التعبير: «الناس يعانون حزن الخبز»، وهو تعبير فارسي يعني القلق بشأن الطعام والضروريات الأساسية، ويضيف بحرقة: «أشعر بالحرج أمام ابنتي. لا أستطيع شراء أي شيء لها سوى الطعام، إن استطعت. عندما أغادر في الصباح لأقف عند دوار بحثاً عن عمل يومي، تسألني: هل يمكنني الحصول على تلك اللعبة؟.. لكنني لا أستطيع أن أحضر لها أي شيء. عندما أجد عملاً، أحضر لها تفاحة أو شيئاً من هذا القبيل. في بعض الليالي أعود إلى المنزل متأخراً جداً، فتكون قد نامت بالفعل ولا تراني».
تحذير اقتصادي: الأسوأ لم يأت بعد
ويحذر مرتضى أفغه، الخبير الاقتصادي المقيم في طهران، من أن الضرر الاقتصادي الحقيقي للحرب لم يظهر بعد، قائلاً: «ما رأيناه حتى الآن هو أقرب إلى الآثار المتوقعة للحرب، وليس آثارها الحقيقية. إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، واستمر الحصار البحري، وبقي هذا الوضع الذي لا هو حرب ولا سلام، فإن عواقبه الاقتصادية ستتضح تدريجياً».
وعن العواقب المتوقعة، أشار إلى أنها تتمثل في: انخفاض قيمة العملة، وزيادة التضخم، وتفاقم البطالة، وعلى الأرجح بحدة أكبر.
من يدفع الثمن؟
يكشف هذا الضغط الاقتصادي أن العواقب تقع بشكل أشد على المواطنين العاديين، بينما الفائزون في الأزمة، هم المسؤولون والشركات ذات النفوذ السياسي، ومن يتمتعون بقروض تفضيلية، بينما الخاسرون الحقيقيون، هم العمال والأسر التي لا تعرف ماذا ستشتري اليوم، وماذا ستؤجل للغد.