الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
إفراط يهدد التركيز والسلوك والصحة النفسية

جيل الشاشات.. تربية رقمية خفية أم غياب للرقابة؟

8 يونيو 2026 00:22 صباحًا | آخر تحديث: 8 يونيو 00:26 2026
دقائق القراءة - 4
شارك
share
جيل الشاشات.. تربية رقمية خفية أم غياب للرقابة؟
icon الخلاصة icon
الإفراط بالشاشات يضر تركيز الأطفال وسلوكهم وصحتهم النفسية؛ الحل تنظيم متوازن، قدوة ورقابة، وبدائل نشطة مع محتوى مناسب وتوعية تدريجية
تحقيق: علياء الشامسي
لم تعد الشاشات في كثير من المنازل مجرد وسيلة للترفيه، بل باتت دخيلة في تفاصيل التربية اليومية، وبين طفل لا يهدأ إلا بهاتف ذكي، وآخر يرفض تناول طعامه من دون شاشة أمامه. وفي ظل هذا الغزو المتنامي للتقنية، تواجه الأسر تحديات متزايدة في تنظيم استخدام الأبناء للأجهزة الذكية، وسط تحذيرات من آثار الإفراط في التعرض للشاشات والمحتوى السريع في تركيز الأطفال وسلوكهم وصحتهم النفسية. قد تهدر سنوات من الجهد التربوي داخل الأسرة، إذا غاب الوعي الرقابي عن استخدام الأبناء للأجهزة.
أكد الاستشاري الأسري والتربوي الدكتور سعيد عبيد بالليث الطنيجي، لـ«الخليج» أن تنظيم استخدام الأبناء للأجهزة الذكية بات من أبرز التحديات التربوية التي تواجه الأسر في العصر الرقمي. لأنها لم تعد مجرد أدوات للترفيه أو التعلم، بل تحولت إلى جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية للأبناء، وتفرض حضورها في كل بيت، وتؤثر في أنماط التواصل والتنشئة داخل الأسرة. وأشار إلى أن حجم الظاهرة بات واضحاً في ضوء مؤشرات حديثة أظهرت انخراط 86% من الأطفال في الأنشطة الرقمية بانتظام، فيما ترتفع النسبة إلى 97% لدى الفئة العمرية بين 5 و8 سنوات.

غياب القدوة

وأوضح أن هذه الأرقام لا تعكس ارتفاع معدلات الاستخدام فقط، بل تشير إلى تحول ثقافي عميق في نمط حياة الأطفال، والتحدي الذي تواجهه الأسر اليوم لم يعد تقنياً فحسب، بل تربوي وثقافي، في ظل انفتاح الأبناء على بيئة رقمية واسعة تتجاوز رقابة الأسرة، مع اتساع الفجوة الرقمية بين الآباء والأبناء.وأضاف أن منصات التواصل تسهم في تعميق هذا التعلق، بتصميمات رقمية تعتمد على التحفيز المستمر لما يعرف بـ«دائرة المكافأة» في الدماغ، وبالإنجليزية (Brain Reward System) وهي شبكة عصبية أساسية تفرز ناقلات عصبية، أبرزها الدوبامين، لتوليد الشعور باللذة والتحفيز عند أداء سلوكات حيوية أو اجتماعية ممتعة، ما يعزز تكرارها، ويسهم في ارتباط الأطفال بالمحتوى الرقمي ويطيل مدة استخدامهم له.
وحذر من أن بعض الممارسات التربوية قد تزيد المشكلة تعقيداً، مثل المنع الكامل الذي قد يدفع إلى التمرد أو الاستخدام الخفي، والتساهل المفرط الذي يغيب الحدود، فضلاً عن غياب القدوة داخل المنزل.
وأشار الطنيجي، إلى أن ضغط الأقران أحد أبرز العوامل التي تصعب مهمة الأسر، إذ أصبح امتلاك الأجهزة معياراً للاندماج الاجتماعي بين الأطفال، ما يجعل الالتزام بالقواعد المنزلية تحدياً أكبر عند بعضهم.
وبيّن أن القلق من استخدام الشاشات لا يرتبط بعدد الساعات فقط، وإنما بمدى انعكاسه على حياة الطفل وسلوكه. والاستخدام المفرط يرتبط بانخفاض النشاط البدني، وارتفاع مخاطر السمنة واضطرابات النوم، ومشكلات التركيز والتحصيل الدراسي، فضلاً عن ارتباطه بارتفاع معدلات القلق وضعف الانتباه لدى بعض الأطفال.وشدد على أن الحل لا يكمن في المنع المطلق أو الانفتاح غير المنضبط، بل في تبني نموذج تربوي متوازن يضع قواعد واضحة للاستخدام، ويعزّز البدائل الرياضية والاجتماعية، وينمّي الوعي الذاتي لدى الأبناء، ويقدّم الوالدين قدوة إيجابية في التعامل مع التقنية.
د. سعيد الطنيجي
د. سعيد الطنيجي
واختتم د. سعيد الطنيجي، بتأكيد أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في وجود الأجهزة، بل في كيفية إدارتها. والأبناء اليوم لا يحتاجون إلى بيئة خالية من التقنية، بقدر حاجتهم إلى بيئة أسرية واعية تحسن توظيفها.

نماذج الأسر

وفي المقابل، تقدم بعض الأسر نماذج مختلفة في إدارة استخدام الشاشات، وقالت فاطمة الشامسي، أمّ لطفلين إنها في بداية تجربتها الأمومية، لم تكن تمتلك وعياً كافياً بتأثير الشاشات في الأطفال، فكان تعرض طفلتها للأجهزة أمراً طبيعياً. ومع مرور الوقت أصبحت أكثر اطّلاعاً على الجوانب التربوية، ما دفعها إلى إعادة النظر في طريقة استخدام ابنتها للأجهزة الرقمية. وأضافت أنها اليوم تعتمد نهجاً أكثر تنظيماً لابنتها ذات السبع سنوات، حيث تقلل استخدام الشاشات، وتتابع المحتوى الذي تشاهده طفلتها بدقة، واقتصار الاستخدام على شاشة التلفاز في صالة المنزل فقط. ومنع استخدام تطبيقات مواقع التواصل. أما طفلها البالغ من العمر سنة واحدة، فتقتصر على تقديم أنشطة تفاعلية وألعاب يدوية مناسبة لعمره.

بناء الثقة

وأضافت أن تطبيق هذا النهج لم يكن سهلاً في البداية، خصوصاً مع ملاحظة طفلتها امتلاك أقرانها لأجهزة ذكية إلا أنها عملت على توعيتها تدريجاً، وشرح أن اختلاف القرارات بين الأسر لا يعني أنها غير صحيحة. مؤكدة أهمية بناء الثقة بين الطفل ووالديه.وأشارت إلى أنها رغم عدم منح طفلتها جهازاً خاصاً، تتيح لها وقتاً محدوداً لمشاهدة محتوى مختار بعناية، في مقابل توفير بدائل يومية، مثل الخروج إلى الحدائق والمشي، وتنظيم أنشطة منزلية وتفاعلية وتعليمية. وهذه البدائل تتطلب جهداً ووقتاً من الأسرة، إلا أنها استثمار في تنمية الطفل وسلوكه.

التربية الرقمية

كما أكدت أنها باتت أكثر وعياً اليوم بأهمية التربية الرقمية، وترى أن امتلاك الطفل لجهاز شخصي في المراحل العمرية المبكّرة ليس ضرورة، بل قد يحمل مخاطر تتعلق بسهولة الوصول إلى محتوى غير مناسب أو تأثيرات سلوكية غير مرغوبة. وشددت على أن قرار عدم تزويد طفلتها بجهاز خاص جاء عن قناعة تربوية، انطلاقاً من مسؤوليتها، كونها أماً في حماية ابنتها وتوجيهها، وحرصها على تربيتها بما ينسجم مع القيم الأسرية والدينية.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة