الصين تسيطر على نحو 80% من إنتاج المعدن
الولايات المتحدة تبحث عن مصادر بديلة وسط تنامي الطلب
مشاريع تعدين جديدة في كازاخستان وكوريا الجنوبية
تأثيرات الأزمة تمتد من الصناعات الدفاعية إلى الإلكترونيات وطب الأسنان والبناء
الولايات المتحدة تبحث عن مصادر بديلة وسط تنامي الطلب
مشاريع تعدين جديدة في كازاخستان وكوريا الجنوبية
تأثيرات الأزمة تمتد من الصناعات الدفاعية إلى الإلكترونيات وطب الأسنان والبناء
يشهد سوق «التنغستن» العالمي اضطراباً متزايداً مع تصاعد الحروب وتنامي الطلب على الصناعات الدفاعية، ما يضع الولايات المتحدة وحلفاءها أمام تحدٍ استراتيجي جديد يتجاوز تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية الحالية.
فبينما تركزت أنظار العالم خلال الأشهر الماضية على ارتفاع أسعار النفط والغاز والمواد البتروكيماوية نتيجة التوترات في الشرق الأوسط، برز «التنغستن» بوصفه أحد أكثر المعادن حساسية للأمن القومي والصناعي، في ظل نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار واستمرار الاعتماد الكبير على الصين.
معدن حيوي
رغم أن «التنغستن» لا يحظى بشهرة واسعة لدى المستهلكين، فإنه يدخل في عدد كبير من الصناعات الحيوية، بدءاً من الذخائر الخارقة للدروع وأنظمة الدفاع المتقدمة، مروراً بصناعة الطائرات والإلكترونيات والسيارات الكهربائية، وصولاً إلى أدوات الحفر وطب الأسنان ومعدات الصيد.
ويقول خبراء الصناعة إن المعدن أصبح محوراً ثابتاً في مناقشات سلاسل التوريد، نظراً لأهميته في قطاعات الدفاع والتصنيع والتكنولوجيا، ما يجعله أحد أكثر المواد الخام حساسية لأي اضطرابات جيوسياسية.
وبالفعل، تكشف الأزمة الحالية أن الاقتصاد العالمي، رغم التقدم الكبير في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية، لا يزال يعتمد بصورة أساسية على المعادن والموارد الطبيعية الاستراتيجية.
الصين في قلب الاختناق العالمي
بحسب بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، بلغ الإنتاج العالمي من «التنغستن» نحو 81 ألف طن متري خلال عام 2024. وكما هو الأمر مع حالات أخرى مرتبطة باختناق سلسلة توريد المواد الأرضية النادرة في السنوات الأخيرة، تكمن جذور الأزمة اليوم في هيمنة الصين على سوق «التنغستن» العالمية، فهي لا تزال تسيطر على نحو 80% من الإنتاج، رغم تراجعه مؤخراً، بعد عقود من الاستغلال المكثف للمناجم. فيما جاءت فيتنام في المرتبة الثانية بفارق كبير، بينما يكاد الإنتاج الأمريكي يكون معدوماً.
يُذكر أنه في فبراير/شباط 2025، شدّدت بكين القيود على صادرات المعدن لأسباب تتعلق بالأمن القومي، ما زاد الضغوط على الأسواق العالمية في وقت ارتفع فيه الطلب العسكري بشكل حاد نتيجة الحرب في أوكرانيا والتوترات في الشرق الأوسط.
سباق عالمي لبناء مصادر بديلة
أدى الاعتماد المفرط على الصين إلى تسريع الجهود الغربية لإيجاد مصادر جديدة للإمدادات. وهنا، تبرز كازاخستان كأحد أهم الرهانات المستقبلية، حيث تعمل شركة «كوف كاز كابيتال» على تطوير مشروع ضخم لاستغلال احتياطيات غير مستغلة من المعدن.
وتؤكد الشركة أن ارتفاع الأسعار الحالي يعكس استنزاف المخزونات العالمية بفعل الحروب وتراجع الإمدادات المتاحة. وتتوقع أن يحتاج السوق الأمريكي وحده إلى نحو 20 ألف طن متري سنوياً خلال السنوات المقبلة، دون احتساب احتياجات المخزون الدفاعي الاستراتيجي.
وعند بلوغ الطاقة الإنتاجية الكاملة، يمكن للمشروع الكازاخي إنتاج نحو 12 ألف طن سنوياً، أي ما يعادل نحو 15% من الإنتاج العالمي الحالي، مع عمر تشغيلي متوقع يتجاوز نصف قرن.
في موازاة ذلك، أعادت شركة «ألمونتي إندستريز» تشغيل منجم سانغدونغ في كوريا الجنوبية بعد توقف دام أكثر من 30 عاماً، كما تدير منجماً عاملاً في البرتغال، في خطوة تهدف إلى تعزيز الإمدادات غير الصينية للأسواق الغربية.
قواعد أمريكية جديدة
تتجه الولايات المتحدة إلى تشديد قواعد التوريد الخاصة بالصناعات الدفاعية، إذ تدخل لوائح جديدة حيز التنفيذ اعتباراً من يناير/كانون الثاني 2027 تمنع استخدام مساحيق «التنغستن» والسبائك الثقيلة المستخرجة أو المكررة أو المصنعة في الصين ضمن بعض التطبيقات الدفاعية.
ويعكس هذا التوجه مخاوف متزايدة من الاعتماد على منافس استراتيجي يسيطر على جزء كبير من سلاسل التوريد العالمية للمعادن الحرجة.
كما دعمت الحكومة الأمريكية مشاريع التعدين الجديدة عبر تمويلات والتزامات ائتمانية بمليارات الدولارات، في إطار مساعيها لبناء شبكة إمدادات أكثر استقلالية على المدى الطويل.
أزمة تمتد إلى الاقتصاد اليومي
رغم أن «التنغستن» يرتبط حالياً بالصناعات العسكرية، فإن تداعيات نقصه لن تقتصر على قطاع الدفاع. فالمعدن يستخدم في صناعة أدوات القطع والحفر والمعدات الصناعية اللازمة للتعدين والبناء والتصنيع، ما يعني أن أي ارتفاع في تكاليفه سينعكس على أسعار المشاريع والبنية التحتية وسلاسل الإنتاج المختلفة.
كما يدخل كربيد «التنغستن» في تصنيع مثاقب الأسنان التي ترفع كفاءة الإجراءات الطبية وتقلل من الانزعاج لدى المرضى، إضافة إلى استخدامه في إنتاج لوحات الدوائر الإلكترونية التي تعتمد عليها الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر ومعظم المعدات الإلكترونية الحديثة.
ويمتد استخدامه كذلك إلى معدات الصيد، حيث يُعد بديلاً أقل سمية من الرصاص في صناعة الأثقال المستخدمة من قبل الصيادين. ويرى محللون أن المستهلكين قد لا يلاحظون تأثير أزمة المعدن بصورة مباشرة، لكنهم سيدفعون ثمنها عبر ارتفاع تكاليف البناء والتصنيع وتأخر المشاريع وزيادة أسعار المعدات والآلات الصناعية.
ومع استمرار الحروب وتزايد الطلب الدفاعي وتشدد الصين في سياسات التصدير، تبدو أزمة «التنغستن» مرشحة للاستمرار لسنوات، ما يجعل المعدن الذي ظل بعيداً عن الأضواء أحد أهم عناصر المنافسة الاقتصادية والاستراتيجية خلال العقد المقبل.