الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

لنجعل ثمار الحوار الحضاري تُنير العالم

10 يونيو 2026 15:41 مساء | آخر تحديث: 10 يونيو 15:47 2026
دقائق القراءة - 4
شارك
share
china
china


في ظل التغيرات العميقة التي لم يسبق لها مثيل منذ قرن من الزمان، وتداخل الصراعات الجيوسياسية مع التحديات التنموية، ما يضع المجتمع البشري أمام اختبارات جديدة، يقف المجتمع البشري مرة أخرى عند منعطف تاريخي مهم يتطلب الاختيار. وفي 15 مارس 2023، طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ المبادرة الحضارة العالمية داعياً إلى احترام تنوع الحضارات في العالم، وتعزيز القيم المشتركة للإنسانية، والتشديد على أهمية التراثِ الحضاري والابتكار، وتشجع التبادلاتِ الدوليةَ بين الشعوب. وخلال السنوات الثلاث الماضية، واصلت مبادرة الحضارة العالمية ترسيخ حضورها وتحقيق نتائج ملموسة، حيث تحولت تدريجياً من رؤية صينية إلى توافق دولي وإجراءات عملية، مما أضفى زخماً جديداً على تقدم الحضارة الإنسانية وتعزيز السلام والتنمية في العالم.
في 10 يونيو، نحتفل بالنسخة الثانية لليوم الدولي للحوار بين الحضارات. ويُعدّ هذا اليوم الدولي المهم مناسبةً سنوية، تجسّد في الواقع العملي التزام الدول معًا بتنفيذ مبادرة الحضارة العالمية، كما يعكس التوافق الواسع داخل المجتمع الدولي على مبادئ التعايش الشامل والتبادل والتعلّم المتبادل بين الحضارات. ولا يقتصر هذا اليوم على كونه منصة مهمة لتعميق التبادل الحضاري بين الدول فحسب، بل يوفر أيضاً فرصاً وآفاق جديدة لتعزيز التفاهم المتبادل وتقوية الروابط بين الشعوب وتحقيق مزيد من التقارب الإنساني.
يوجد في العالم أكثر من 200 دولة ومنطقة، وأكثر من 2500 مجموعة عرقية إضافة إلى تنوع كبير في الأديان وأشكال الحضارات. وتُشكّل الخلفيات التاريخية والثقافات المختلفة، ومسارات التنمية المتباينة، والأنظمة الاجتماعية المتعددة معًا لوحة غنية ومتنوعة للحضارة البشرية.
ولا توجد بين الحضارات درجات تفاضل من حيث الرفعة والدونية، بل لكل حضارة خصائصها وسماتها المرتبطة ببيئتها الجغرافية وتاريخها. وفي مواجهة هذه الاختلافات والتباينات، فإن النظر إلى الحضارات المختلفة بعقلية الانغلاق أو الصراع لا يؤدي إلا إلى تعميق الفجوات وتوسيع النزاعات، بينما يتيح الانفتاح والحوار بين الحضارات تعزيز الفهم المتبادل وبناء الثقة وتكريس التوافق والتعاون. وفي ظل بيئة دولية معقدة ومتغيرة، تزداد أهمية الحوار بين الحضارات يومًا بعد يوم. ومن خلال التبادل والتعلّم المتبادل، تستطيع الدول أن تتجاوز الأحكام المسبقة وسوء الفهم، وأن تسعى إلى إيجاد القيم المشتركة على أساس احترام التنوع، وتوسيع آفاق التعاون عبر الحوار المتكافئ، بما يمكّنها من مواجهة التحديات العالمية المشتركة معاً.
تُعدّ الصين والإمارات العربية المتحدة من ورثة الحضارات العريقة، كما أنهما من المشاركين المهمين في التبادل الحضاري المعاصر. وعلى مدى آلاف السنين، ربط طريق الحرير القديم بين الصين والإمارات عبر الجبال والبحار، مما جعل البلدين يرتبطان بعلاقات وثيقة.
لم تكن قوافل الجمال والسفن التجارية المتبادلة تحمل الحرير والخزف والتوابل وغيرها من السلع فحسب، بل أسهمت أيضًا في تعزيز التبادل والتعلّم المتبادل في مجالات العلوم والتكنولوجيا والفنون والفلسفة وأنماط الحياة. ومن التجارة البحرية إلى انتشار الثقافة، ومن التبادلات التجارية إلى التفاعل الفكري، ظلّت الحضارتان الصينية والعربية تتبادلان الإعجاب والإلهام عبر هذا التواصل الطويل، لتكتبا معًا فصلًا مهمًا في تاريخ التفاعل بين الحضارات الإنسانية، وتؤسسا قاعدة تاريخية عميقة للعلاقات الودية بين الجانبين.
تُعدّ دولة الإمارات العربية المتحدة، بصفتها إحدى الدول الموقِّعة على قرار اليوم الدولي للحوار بين الحضارات وعضوًا في المجموعة الأساسية المعنية به، من المشاركين النشطين في مسار الحوار الحضاري العالمي. وهي تُظهر من خلال ذلك موقفًا إيجابيًا داعمًا لتعزيز التبادل بين الحضارات والتعاون الدولي، كما تُسهم في توفير دعم مهم للتواصل الحضاري بين الصين والإمارات.
في السنوات الأخيرة، ومع تعمّق التعاون العملي بشكل متواصل بين الجانبين، شهد التبادل الإنساني والثقافي بين الصين والإمارات العربية المتحدة ازدهارًا مستمرًا، كما واصل ”التقارب بين الشعوب“ التقدم بشكل أعمق وأكثر واقعية، ليصبح أحد أكثر مكونات العلاقات الثنائية حيويةً ودفئًا، وأكثرها حضورًا وتأثيرًا.
دخل التعاون السياحي بين الصين والإمارات مرحلة ”التسارع المستمر“، حيث سجّل حجم تبادل الزوار بين البلدين في عام 2025 مستوى قياسيًا جديدًا، ما أسهم في تعزيز التفاهم والصداقة بين الشعبين من خلال كثافة الزيارات والتواصل المتبادل. كما يواصل التعاون بين الجامعات الصينية والإماراتية، وبرامج تبادل الشباب، وتعليم اللغة الصينية التقدم بشكل مستمر. وأصبح الالتحاق بالدراسة في الصين خيارًا متزايد الشعبية لدى عدد أكبر من شباب الإمارات، في حين أصبحت الإمارات أيضًا وجهة ناشئة ومفضلة بشكل متزايد للطلاب الصينيين الراغبين في الدراسة والتبادل الثقافي في الخارج. وفي ديسمبر من العام الماضي، افتُتحت الدورة السابعة من أسبوع السينما الصينية في الإمارات بشكل احتفالي في دبي، مما أتاح لجمهور الإمارات فرصة أقرب للتعرّف على السحر الفريد للثقافة الصينية. وخلال احتفالات عيد الربيع لعام 2026 المعروف أيضاً بعام الحصان، أطلقت دائرة الاقتصاد والسياحة في دبي سلسلة فعاليات احتفالية مميزة شملت عروض إضاءة على أبرز المعالم، وعروضًا مسرحية للصينية التقليدية، وبثاً مباشراً لحفل عيد الربيع الصيني (CCTV SPRING FESTIVAL GALA) في الخارج حيث جذبت أجواء السنة الصينية الغنية بالتراث عدداً كبيراً من السكان المحلين للمشاركة والتجربة. تُسهم الأنشطة الإنسانية والثقافية المتنوعة والمتواصلة في تقريب المسافة بين شعبي البلدين، كما تدفع التبادل والتعلّم المتبادل بين الحضارتين إلى آفاق جديدة ومستوى أكثر تقدّمًا.
إن جمال الحضارة يكمن في التعددية والتعايش، وطريق التنمية يقوم على التعلّم المتبادل. ونظرًا إلى المستقبل، تتطلع الصين إلى مواصلة العمل مع دولة الإمارات العربية المتحدة وسائر دول العالم من أجل مواصلة تنفيذ مبادرة الحضارة العالمية، بحيث يتجاوز الحوار الحضاري حواجز الانقسام، ويتجاوز التعلّم المتبادل بين الحضارات صراعاتها، بما يضمن أن تعود ثمار الحوار بين الحضارات بالنفع الأفضل على شعوب جميع الدول في العالم.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة