بعد الإعلان عن إبرام اتفاق إنهاء الحرب بين واشنطن وطهران، يواجه النظام الحاكم في إيران معضلة كبرى تتعلق بإدارة مطالب متضاربة بين غلاة المحافظين الذين قويت شوكتهم، والشعب الفقير الغاضب.
وعلى الرغم من الدمار الذي لحق بالجيش الإيراني وقدراته، يواصل غلاة المحافظين ذوو النفوذ في إيران الادعاء بأن بلادهم خرجت من الحرب منتصرة؛ لذا يطالب هؤلاء قيادة البلاد باتخاذ موقف صارم في المحادثات المقبلة مع الولايات المتحدة، وإعطاء الأولوية لإعادة التسلح، واثقين بقدرتهم على سحق أي معارضة داخلية بالقوة.
في المقابل، يتطلع الإيرانيون العاديون بشدة إلى جني أي مكاسب من وراء السلام، أو الحصول على دعم مالي يمكن استغلاله في رفع مستويات المعيشة، وفتح آفاق للمستقبل، بعد حرب مدمرة أعقبت سنوات من العقوبات المؤلمة. ونتيجة لذلك، يملك كلا المعسكرين توقعات كبيرة ومطالب متضاربة، يقابلها قليل من الصبر، بينما يخيم في الخلفية شبح تجدد الاحتجاجات الجماهيرية على غرار الاضطرابات التي قمعتها السلطات في يناير/ كانون الثاني الماضي، التي قُتل فيها آلاف المتظاهرين.
غضب شعبي من الأزمة الاقتصادية
في هذا السياق، قال حميد رضا عزيزي، الباحث الزائر في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في برلين: «في اللحظة التي تنتهي فيها الحرب، ونظراً لهشاشة هذا الاتفاق المؤقت، ستبدأ المؤسسة الدينية الإيرانية بمواجهة مشكلات حقيقية».
وتحدث أربعة مسؤولين حاليين ومسؤول سابق من إيران عن الضغوط التي تواجهها إيران حالياً، مع تحول اهتمام الرأي العام من مجريات الحرب إلى تفقد حجم الدمار الاقتصادي. وقال ثلاثة من هؤلاء المسؤولين إن هناك توقعات شعبية هائلة بأن أي إغاثة مالية ستحصل عليها الحكومة نتيجة تعليق العقوبات، أو استعادة الأصول المجمدة، ستُستخدم مباشرة لتعزيز الاقتصاد، ورفع مستوى المعيشة.
ووصّف أحدهم، وهو مسؤول كبير، الإيرانيين بأنهم «باتوا متعبين من الحرب والصعاب الاقتصادية»، مرجحاً أن توجه الأموال نحو إعادة الإعمار.
وأقر المسؤولون الأربعة جميعاً، صراحةً أو ضمناً، بمخاطر تجدد الاحتجاجات إذا فشلت السلطات في تحسين الأوضاع المعيشية؛ حيث وصف أحدهم الاتفاق الرامي لإنهاء الحرب بأنه «سلاح ذو حدين» نظراً لارتفاع سقف التوقعات الشعبية.
وأفاد مسؤول سابق ينتمي للتيار الإصلاحي، بأن هناك استيعاباً لهذه المخاطر في القيادة الإيرانية، وأن هذا الفهم كان أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت طهران إلى قبول الاتفاق لتأمين فتح مضيق هرمز.
ويتوقع أن تتضمن مذكرة إنهاء الحرب، المقرّر توقيعها بين طهران وواشنطن الجمعة، إعفاءات مالية لإيران، على أن يتبع ذلك المزيد إذا نجح الطرفان في إبرام اتفاق أوسع نطاقاً في وقت لاحق من هذا الصيف.
ويعاني الاقتصاد الإيراني في الأصل من تضخم مفرط، وانخفاض حاد في قيمة العملة المحلية، وتفشي البطالة، قبل أن تأتي الحرب لتضيف أضراراً جسيمة طالت قطاعي الصناعة والبنية التحتية، التي سيتطلب إصلاحها كلفة باهظة للغاية.
ومن جانبه، قال سعيد ليلاز، المحلل السياسي والاقتصادي الإيراني: «من منظور محلي، أمام إيران الآن فرصة محدودة للسيطرة على الأوضاع الداخلية، لا سيما أن الولايات المتحدة لطالما ركزت على التطورات الداخلية في إيران وما زالت تفعل ذلك».
يذكر أن تخفيف العقوبات على المدى الطويل سيتطلب اتفاقاً شاملاً مع الولايات المتحدة بشأن برنامج طهران النووي، وهو أمر لا يزال يُنظر إليه كاحتمال بعيد المنال.
غلاة المحافظين ينتظرون المكافأة
طوال فترة الحرب، نجحت السلطات الإيرانية في قمع أصوات المعارضة عبر تحذيرات صارمة، وعقوبات قاسية، ونشر مؤيديها في الشوارع عبر سلسلة من التظاهرات المتواصلة والفعاليات الداعمة للنظام. وبعد سنوات من حثّ المؤسسة الحاكمة على اتخاذ مواقف أكثر تشدداً تجاه الغرب، وإظهار القوة الإيرانية عبر إجراءات كإغلاق مضيق هرمز، ينتظر غلاة المحافظين اليوم مكافأة مجزية على جهودهم.
ويضم معسكر غلاة المحافظين فصائل متعددة، من بينها الحرس الثوري. ولكن في حين يبدو الحرس الثوري مستعداً الآن لقبول اتفاق يساعد النظام على البقاء والوقوف على قدميه، فإن ما يُعرف بـ«جبهة بايداري» (جبهة ثبات الثورة) ترفض ذلك. وتضم هذه الجبهة أعضاء بارزين في البرلمان، وسياسيين مخضرمين، وشخصيات مؤثرة في وسائل الإعلام، وتستند إلى قاعدة شعبية واسعة من الجماهير التي ملأت الشوارع منذ بداية الصراع. وعلى الرغم من أنهم لا يتمتعون بالنفوذ الكافي لتغيير سياسة الدولة العليا، فإنهم قادرون على إثارة قلاقل جمة للمؤسسة الحاكمة.
ويشعر الكثير من هؤلاء بالاستياء، لأن قبول إيران بالتفاوض مع الولايات المتحدة جاء كبديل للتريث للحصول على شروط أفضل، لا سيما بعد مقتل المرشد علي خامنئي في الأيام الأولى للحرب.
في المقابل، أكد أحد المسؤولين أن النظام يعطي تطوير القدرات العسكرية الأولوية القصوى، قبل معالجة معاناة الشعب، مشدداً على أن إعادة بناء القوة العسكرية «ستستمر على قدم وساق».
ويرى عزيزي أنه إذا أدى الاتفاق المؤقت إلى ضخ للأموال في شريان الاقتصاد، فقد تتمكن الحكومة من تأجيل حسم حساباتها الداخلية مع الشعب مؤقتاً، مضيفاً: «التحدي الأكثر إلحاحاً للقيادة حالياً هو إقناع قاعدتها الداعمة من غلاة المحافظين بأن هذا الاتفاق جيد في واقع الأمر، لأن النظام اعتمد بشكل مكثف على هذه الأقلية خلال الحرب، وأثناء وقف إطلاق النار».
ومما يزيد حجم الصعاب التي تواجهها السلطات، أن الجولة السابقة من الاحتجاجات الكبرى (2022-2023) أسفرت عن تراجع فعلي في فرض قواعد ارتداء الحجاب للنساء في الأماكن العامة؛ فمنذ التظاهرات الجماهيرية التي اندلعت إثر وفاة مهسا أميني أثناء احتجازها، صار بإمكان النساء الخروج دون ارتداء الحجاب وهو ما يشكل مصدر استياء دائم وعميق لغلاة المحافظين.
وفي غضون ذلك، تضاعفت قوة الحرس الثوري خلال الصراع، ما مهد الطريق لصعود مرشحهم المفضل، مجتبى خامنئي، ليحل محل والده المتوفى مرشداً أعلى للبلاد. ويقول المحللون إن خامنئي الابن لم يظهر علناً بشكل موسع حتى الآن، بينما يواصل الحرس الثوري صعوده وهيمنته.
واختتم أليكس فاتانكا، الباحث في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، مشيراً إلى أن الحرس الثوري قد يكون مستعداً لقمع غلاة المحافظين الأيديولوجيين الرافضين للاتفاق ــ الذي ساهم الحرس نفسه في صياغته ــ تماماً كما يقمع المتظاهرين الذين يتحدون النظام، مضيفاً: «أعتقد أنهم سيلاحقون أي شخص يخرج عن الإجماع، لأن السيطرة الداخلية بعد وفاة علي خامنئي تعد مسألة حياة أو موت. قد يتسامحون في بعض الحريات الاجتماعية، كخروج النساء بلا حجاب، لكن لن يكون هناك أي تسامح مطلقاً في مسألة الحريات السياسية».