في ظل نظام دولي فوضوي غير مسبوق نعيش في كنفه، يترجم صراعاً على القوة والنفوذ والمصير، ومحاولات لحجز المواقع والأدوار على رقعة الشطرج الأوروبية والعالمية، فإن الحرب الروسية - الأوكرانية التي اندلعت قبل أكثر من أربع سنوات تمثل التعبير الصحيح عن هذا الصراع الذي يتصاعد يومياً وقد يمتد ويتسع مداه فيما يتجاوز الجغرافيا الحدود الحالية ليطال كل أوروبا.
كل الجهود والوساطات والاجتماعات التي عقدت لوقف هذه الحرب والتوصل إلى حل سياسي لها فشلت لأن الأطراف المعنية تنطلق في مواقفها من فرضية أنها قادرة على حسم الحرب لصالحها، وأن الحلول الوسط لا تقيم سلاماً حقيقياً، وأن الاعتماد على المنظمات الدولية وقوانينها قاصرة عن تحقيق حلول عادلة وشاملة لأنها لا تملك القوة القصرية على الدول، باعتبار أن القوة باتت جوهر العلاقات الدولية في هذا النظام الفوضوي.
لذلك، من الطبيعي أن تكون الحرب الأوكرانية نموذجاً لواقع الحال المنفلت من القانون والدبلوماسية، وتأخذ هذا الشكل من التصعيد الجنوني الذي بدا في اليومين الأخيرين، من خلال ضرب العمقين الروسي والأوكراني واستهداف المدن الكبرى والمؤسسات المدنية ومحطات تكرير النفط والجسور ومحطات الطاقة النووية والسفن العابرة للبحر الأسود المحملة بالقمح، والمشتقات النفطية للدول الأخرى، إضافة إلى المطارات الرئيسية الحيوية، كما حصل في استهداف مطارات موسكو الأربع حيث تم إغلاقهم مؤقتاً، من خلال استخدام مئات الأسراب من الطائرات المسيّرة والصوارخ الباليستية من مختلف المديات والأحجام.
أمام هذا الانفلات العسكري غير المقيد بحدود أو قوانين، وغياب أي أفق لحل سياسي، من المرجح أن تشهد الأيام المقبلة المزيد من التصعيد الذي يؤدي إلى المزيد من تعقيد المشهد بما يؤدي إلى اهتزاز مبدأ الاستقرار والسلام في القارة الأوروبية التي قد تدخل مرحلة جديدة من الحروب، خصوصاً مع إصرار القيادات الأوروبية على استمرار الحرب، وتقديم الدعم العسكري والمادي الذي تحتاجه آلة الحرب الأوكرانية لمواجهة القوات الروسية.
وقد ظهر ذلك جلياً في القمة الأوروبية التي عقدت يوم الخميس الماضي في بروكسل، إذ تم تمديد العقوبات المفروضة على روسيا لمدة 12 شهراً بهدف «إضعاف الأسس الاقتصادية لجهود روسيا الحربية»، إضافة إلى الدعم العسكري المتواصل لأوكرانيا من خلال حلف «الناتو»، فيما تعرّض رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا لانتقادات أوروبية حادة لمبادرته في إقامة قناة تواصل مع موسكو لضمان دور للاتحاد الأوروبي في أية مفاوضات مستقبلية بشأن الحرب الأوكرانية، وتفادي تهميش التمثيل الأوروبي في حال نضجت ظروف استئناف المفاوضات المباشرة مع روسيا.
لكن المشكلة تكمن في مدى استعداد الطرفين الروسي والأوكراني للجلوس على طاولة المفاوضات، وما إذا كانا على استعداد لتقديم تنازلات مؤلمة تتجاوز شروطهما الصعبة المتبادلة، وما إذا كانت أوروبا على استعداد للتخلي عن أوهام إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا.
لقد وجدت أوكرانيا نفسها على خط صراع وتنافس بين القوى الكبرى، وفي مهب أجندات ومصالح غيرها، لذلك هي تخوض حرباً نيابة عن نفسها وعن غيرها، ما فرض واقعاً صعباً عليها، وعلى أي حل ممكن.