كان مقرراً أن تبدأ الجولة الأولى من المفاوضات الإمريكية -الإيرانية في منتجع بورغنستوك السويسري، أمس، لتنفيذ «اتفاق التفاهم» الذي وقعه الرئيس الأمريكي ترامب، والرئيس الإيراني بزشكيان، أمس الأول، لكنها أرجئت إلى موعد لاحق، ليس بسبب خلافات بين الجانبين، إنما لأن إسرائيل قررت، على ما يبدو، تفجير التفاهم من البداية من خلال إصرارها على عدم تنفيذ ما يخصها في المذكرة لجهة «الإنهاء الفوري والدائم للحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، مع الالتزام المتبادل بعدم استخدام القوة أو التهديد بها»، كما ينص البند الأول من بنودها ال14.
كان نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، يستعد للسفر إلى سويسرا، لكنه ألغى رحلته في اللحظات الأخيرة، بسبب «ظروف لوجستية معقدة»، من دون تحديد السبب الحقيقي المتعلق برفض إسرائيل وقف الحرب، وهو السبب الذي جعل الوفد الإيراني برئاسة رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، يؤجل سفره أيضاً، بانتظار الزام إسرائيل تنفيذ المطلوب منها، وإنهاء حربها على لبنان الذي تواصل، ليلة الجمعة، بشكل عنيف من خلال قيامها بقصف عشرات القرى ما أدى إلى وقوع 18 قتيلاً، و33 جريحاً بين المدنيين بحسب حصيلة غير نهائية لوزارة الصحة اللبنانية.
وتتزايد المؤشرات على أن إسرائيل تحاول تفجير مذكرة التفاهم، لأنها ترى في مضامينها فتحاً لمسار تفاوضي لا يلبّي مطالبها بشأن البرنامج، النووي والصاروخي، الإيراني، وخطط التوسع في لبنان وسوريا والضفة الغربية، كما أن المذكرة لا تمنحها حرية الحركة التي طالما لجأت اليها في تعاملها مع التهديدات التي تراها أينما كانت.
هذا الوضع، بات يشكل بالنسبة للإدارة الأمريكية تحدياً لدورها وصورتها، وقدرتها على التأثير في الموقف الإسرائيلي الذي طالما دعمته، ووفرت له كل أسباب القوة والصمود، وهي ترى نفسها الآن في موقف حرج أمام حليف يتحداها علناً، ويحاول وضع العصي في دواليب مصالحها الإقليمية. خصوصاً أن مصادر إسرائيلية موثوقة نقلت عن نتنياهو أنه أبلغ الرئيس ترامب أن إسرائيل لا تعتبر نفسها ملزمة بأي ترتيبات تتضمنها مذكرة التفاهم، والمرتبطة بإنهاء فوري ودائم للعمليات العسكرية في لبنان، كما أن وزراء إسرائيليين، من بينهم وزير الأمن بن غفير ووزير المالية سموتريتش أعلنا صراحة رفضهما للمذكرة ودعَوا إلى مواصلة العمل العسكري في لبنان، ما استدعى توبيخاً حاداً وجّهه نائب الرئيس الأمريكي للوزيرين قائلاً: «رسالتي إليهما من شقّين، الأول هو أن الرئيس ترامب هو رئيس الدولة الوحيد في العالم بأسره الذي يتعاطف مع إسرائيل في هذه اللحظة»، أضاف أنه سيذكّر أعضاء الحكومة الإسرائيلية أيضاً بأن ثلثي الأسلحة الدفاعية التي حمت إسرائيل «صنعت بأيدٍ أمريكية، ومن أموال دافعي الضرائب الأمريكيين».
وكان الرئيس الأمريكي ترامب وصف نتنياهو بأنه «ناكر للجميل»، قائلاً «لولا وجودي لكنت في السجن الآن»، وفقاً لما ذكرته صحيفة «معاريف»، خلال آخر مكالمة بينهما الأسبوع الماضي.
من الواضح أن الولايات المتحدة وإيران تتمسكان بمذكرة التفاهم، ولن تسمحا لأيّ طرف بعرقلة تنفيذها، لأنها تشكل شبكة الأمان الوحيدة الممكنة التي تحقق مصالحهما، وتوفر الأمن والاستقرار للمنطقة والعالم، وتعيد الحياة إلى الاقتصاد العالمي، من خلال إعادة ضخ النفط والغاز، وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة العالمية.
لكل ذلك، فإن الولايات المتحدة أمام مهمة صعبة مع حليف بات مثل «بالون منفوخ»، يحتاج إلى ثقب، كما رأت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية.وهي لذلك قادرة أكثر من غيرها على تفكيك اللغم الإسرائيلي.