دخلت أوروبا واحدة من أخطر موجات الحر في تاريخها الحديث، بعدما حصدت الحرارة القياسية مئات الأرواح في فرنسا وإسبانيا وألمانيا، وعطلت شبكات النقل والكهرباء، وأربكت المستشفيات، وحذرت السلطات في فرنسا من أن عدد الوفيات مرشح للارتفاع خلال الأيام المقبلة، رغم بدء انحسار الحرارة في بعض المناطق.
وبينما أصبح جهاز التكييف جزءاً أساسياً من المنازل حول العالم، لا يزال وجوده في أوروبا محدوداً للغاية، ما يطرح سؤالاً ملحاً: لماذا لا يعتمد الأوروبيون على التكييف رغم الحر الشديد؟
لماذا لا تمتلك أوروبا أجهزة تكييف مثل أمريكا؟
المفارقة أن نحو 90% من المنازل الأمريكية مزودة بأجهزة تكييف، بينما لا تتجاوز النسبة في أوروبا نحو 20% فقط، وتنخفض إلى قرابة 14% في بريطانيا، فيما تبلغ نحو 25% في فرنسا، وهو ما يفسر اندفاع المئات إلى الشوارع بحثاً عن الترطيب في البحيرات العامة.
ويرجع ذلك إلى عدة أسباب تاريخية واقتصادية وعمرانية، إذ إن معظم الدول الأوروبية لم تكن تحتاج إلى التبريد في الماضي بسبب اعتدال المناخ، ولذلك صُممت منازلها للاحتفاظ بالحرارة خلال الشتاء أكثر من التخلص منها في الصيف، بحسب CNN.
كما أن الكثير من المباني الأوروبية قديمة، وبعضها مصنف كمبانٍ تاريخية، ما يجعل تركيب وحدات التكييف الخارجية أمراً معقداً أو مقيداً بقوانين الحفاظ على الطابع المعماري.
ويضاف إلى ذلك ارتفاع أسعار الكهرباء في أوروبا مقارنة بالولايات المتحدة، ما يجعل تشغيل أجهزة التكييف لفترات طويلة عبئاً مالياً على كثير من الأسر.
موجة الحر بفرنسا..التكييف يشعل خلافاً سياسياً
كما تحولت أجهزة التكييف في فرنسا إلى قضية سياسية بعدما سجلت البلاد واحدة من أشد موجات الحر في تاريخها.
فبينما طالب سياسيون بتعميم تركيب التكييف في المدارس والمستشفيات والمباني العامة، تمسكت تيارات بيئية لفترة طويلة برفض الاعتماد الواسع عليه باعتباره حلاً يزيد من استهلاك الطاقة ويؤثر سلباً في المناخ، وفقا لموقع ABC News الأمريكي.
لكن مع تصاعد درجات الحرارة بدأت بعض الأحزاب البيئية نفسها تعترف بأن التكييف أصبح ضرورة في أماكن مثل المستشفيات ودور الرعاية والمدارس، بعد أن كان يُنظر إليه سابقاً باعتباره خياراً يجب تجنبه.
شركات آسيوية تحقق مكاسب قياسية من حرارة أوروبا
ولم تقتصر تداعيات موجة الحر الأوروبية على الجوانب الصحية والبيئية، بل امتدت إلى الأسواق العالمية، حيث تحولت الأزمة إلى فرصة ذهبية لشركات تصنيع أجهزة التكييف في آسيا.
سجلت شركات كبرى قفزات ملحوظة في المبيعات، مع اندفاع المستهلكين الأوروبيين لشراء أجهزة التبريد في ظل درجات حرارة قياسية غير مسبوقة، بحسب رويترز.
وأكدت الشركات أن الطلب ارتفع بشكل ملحوظ في أسواق مثل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وألمانيا بنسبة 108%، بينما أعلنت بعض المصانع تشغيل خطوط الإنتاج بكامل طاقتها لمواكبة الطلب المتزايد.
وكشفت شركات أن مبيعات التكييفات المحمولة نفدت بالكامل في عدد من الأسواق الأوروبية، بل تجاوزت أسعار الوحدات المستعملة أسعار الأجهزة الجديدة نتيجة الإقبال الكبير.
كلفة التركيب عقبة أمام كثير من الأوروبيين
ورغم الطفرة في الطلب، لا تزال هناك تحديات تحد من انتشار أجهزة التكييف في أوروبا.
فالكثير من المباني الأوروبية القديمة يحتاج إلى أعمال تركيب معقدة ومكلفة، كما قد تتجاوز كلفة تركيب جهاز تكييف واحد 1000 يورو، وهو ما يجعل الحصول عليه أمراً صعباً بالنسبة لعدد كبير من الأسر.
وتتطلب بعض المباني التاريخية موافقات خاصة لتركيب الوحدات الخارجية، ما يؤدي إلى فترات انتظار طويلة قبل الانتهاء من عمليات التركيب.