في ظل المنافسة المتصاعدة بين المؤسسات المصرفية، لم يعد استقطاب الشركات الصغيرة والمتوسطة يعتمد فقط على تقديم حسابات تقليدية، بل بات يرتكز بشكل متزايد على العروض الترويجية المصممة بعناية لاستهداف هذا القطاع الحيوي. فالبنوك اليوم لا تكتفي بطرح حساب مصرفي، بل تقدم «حزمة خدمات متكاملة ومتنوعة» تهدف إلى تسهيل العمليات اليومية للشركات الناشئة، ودعم نموها في بيئة أعمال سريعة التغير.
هذا التنوع في العروض يطرح تساؤلاً محورياً: هل تمثل هذه العروض قيمة مضافة حقيقية تدعم رواد الأعمال، أم أنها في جوهرها أدوات تنافسية تهدف إلى توسيع قاعدة العملاء في سوق مصرفي شديد التنافس؟
قال خبيران مصرفيان لـ«الخليج» إن العروض الترويجية التي تقدمها البنوك تحمل جانباً داعماً للشركات الصغيرة والمتوسطة، لكنها في الوقت نفسه تمثل جزءاً من استراتيجية لاكتساب العملاء وتعزيز الإيرادات، مشيرين إلى أنها غالباً ما تكون محدودة زمنياً ومرتبطة بشروط معينة، قبل أن تتحول لاحقاً إلى نموذج مدفوع.
وأضاف الخبيران أن حسابات الأعمال تلعب دوراً محورياً في تقييم الشركات وتحديد أهليتها للحصول على التمويل، مؤكدين أن التحدي الحقيقي يتمثل في تحقيق توازن بين ربحية البنوك واحتياجات رواد الأعمال، عبر تعزيز الشفافية وتقديم خدمات ذات قيمة مضافة حقيقية.
نموذج ربحي
قال أمجد نصر، الخبير المصرفي، إن الحسابات المصرفية للأعمال تمثل خليطاً بين خدمة رواد الأعمال وتعظيم إيرادات البنوك، لكنها تميل أكثر نحو نموذج الربحية، موضحاً أن كثيراً من هذه الحسابات تعتمد على حد أدنى للرصيد، إلى جانب فرض رسوم شهرية عند انخفاضه، فضلاً عن رسوم غير ظاهرة تشمل التحويلات والإيداعات النقدية وأسعار صرف العملات. وأضاف أن العروض الترويجية تبدو في ظاهرها دعماً مباشراً للشركات الصغيرة والمتوسطة، لكنها في جوهرها تمثل استراتيجية لاكتساب العملاء وتقديم منتجات أخرى، وغالباً ما تكون محدودة زمنياً ومرتبطة بشروط معينة، قبل أن تتحول لاحقاً إلى نموذج مدفوع، مشيراً إلى أن هذه العروض لا يمكن اعتبارها دعماً خالصاً، بل هي في الأساس كلفة تسويقية تتحملها البنوك لجذب العملاء الجدد.
أمجد نصر
وتابع: حتى الحسابات «الصفرية» مثل «الرقمية»، لا تعني غياب الكلفة، بل تعوض البنوك إيراداتها من خلال خدمات أخرى، لافتاً إلى أن الحساب المصرفي أصبح وسيلة لفهم سلوك العملاء قبل أن يكون مجرد وسيلة لإدارة الأموال.
تحقيق التوازن
في السياق ذاته، أوضح نصر أن البنوك تعتمد بشكل أساسي على بيانات التدفقات النقدية، وسلوك التحويلات، وانتظام الإيرادات، في تقييم الشركات، حيث تلعب هذه البيانات دوراً محورياً في تحديد أهلية التمويل وتقليل المخاطر.
بين نصر أن تحقيق التوازن بين ربحية البنوك ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة يتطلب الانتقال من فرض رسوم ثابتة وغرامات، إلى تسعير يعتمد على الاستخدام الفعلي للخدمات، إلى جانب ضرورة الربط بين الحسابات المصرفية والتمويل، لتصبح أداة تتيح تمويلاً مبدئياً مبنياً على التدفقات النقدية، مشدداً على أهمية تعزيز شفافية الرسوم، إذ يكتشف كثيراً من رواد الأعمال الكلفة الحقيقية للحسابات في مراحل متأخرة، و65% من هذه الشركات تعتبر التعامل مع البنوك تحدياً أساسياً.
وأكد أن الدعم المصرفي موجود لهذا القطاع بالفعل، لكنه يقدم وفق شروط البنوك، وليس وفق احتياجات الشركات.
تطور كبير
من جهته، قال عيسى آل علي، الخبير المصرفي، إن الحسابات المصرفية المخصصة للشركات الصغيرة والمتوسطة شهدت تطوراً كبيراً خلال السنوات الأخيرة، وباتت تركز البنوك في الإمارات بشكل أكبر على تصميم حسابات تتماشى مع احتياجات رواد الأعمال الفعلية.
وأوضح أن العروض الترويجية قد تبدو في ظاهرها أدوات تسويقية، لكنها في كثير من الأحيان تمثل دعماً فعلياً للشركات الصغيرة والمتوسطة، خاصة عندما تكون مرتبطة بإعفاءات من الرسوم، أو حلول دفع مجانية، أو باقات معاملات بدون كلفة.
عيسى آل علي
وأضاف أن القيمة الحقيقية لهذه العروض تظهر عندما تكون مستمرة وليست مؤقتة، وتستهدف تخفيف الأعباء التشغيلية على الشركات الصغيرة والمتوسطة في مراحلها الأولى، لافتاً إلى أن العروض التي تركز فقط على جذب العميل دون توفير قيمة تشغيلية مستدامة، تكون أقرب إلى التسويق منها إلى الدعم الحقيقي.
وأشار آل علي إلى أن الحسابات المصرفية للأعمال تلعب دوراً مزدوجاً، فهي من جهة أداة أساسية لتسهيل الوصول إلى التمويل، لأن وجود حساب نشط ومنتظم يعكس التدفقات النقدية ويمنح البنك صورة واضحة عن أداء الشركة، ومن جهة أخرى تستخدمها البنوك وسيلة لتقييم المخاطر الائتمانية.
ركائز رئيسية
أكد آل علي أن تحقيق توازن عادل بين ربحية البنوك ودعم نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة يتطلب نموذجاً مصرفياً قائماً على ثلاث ركائز رئيسية، تتمثل أولاً في فرض رسوم عادلة مقابل خدمات حقيقية، بحيث تكون الرسوم مرتبطة بقيمة مضافة واضحة.
وأضاف أن الركيزة الثانية تتمثل في توفير حلول رقمية تقلل التكلفة على الطرفين، إذ كلما زادت الخدمات الرقمية، انخفضت الكلفة التشغيلية على البنك، ما يتيح تقديم أسعار ورسوم أفضل.
وأشار إلى أن الركيزة الثالثة تقوم على بناء شراكة طويلة المدى، وعندما تتعامل البنوك مع الشركات الصغيرة والمتوسطة كشركاء نمو، تصبح القرارات أكثر توازناً، وتتحول الحسابات المصرفية إلى منصة تمكين اقتصادي حقيقية.