خلال مباريات كأس العالم، لا تبقى كرة القدم حبيسة المستطيل الأخضر، ولا تقتصر المنافسة على اثنين وعشرين لاعباً يطاردون الكرة، بل تنتقل أجواء البطولة إلى البيوت والمجالس والمقاهي، وتعيد تشكيل تفاصيل الحياة اليومية لملايين الأسر.
ففي زمن تتزايد فيه الشكوى من انشغال أفراد العائلة بالهواتف والشاشات الشخصية، تتحول شاشة التلفزيون خلال المونديال إلى نقطة تجمع نادرة، يستعيد حولها أفراد الأسرة متعة المشاهدة المشتركة والحوار والانفعال الجماعي.
ولا تتوقف أهمية هذه اللحظات عند زمن المباراة. فطقوس الاستعداد للمواجهة، واختيار مكان المشاهدة، وإعداد الطعام، وارتداء قمصان المنتخبات، والتوقعات التي تسبق صفارة البداية، ثم النقاشات التي تستمر بعدها، كلها أنشطة اجتماعية تعزز الشعور بالمشاركة. وقد تصبح مباراة استمرت تسعين دقيقة ذكرى عائلية تستعاد لسنوات، مرتبطة بمن كان حاضراً، وبصرخة الفرح التي أعقبت هدفاً، أو بلحظة صمت جماعي بعد خسارة مؤلمة. وكثيراً ما تتحول المباراة إلى مساحة للقاء والحوار والمرح.
وتؤدي مباريات المنتخبات الوطنية دوراً مهماً في تعزيز الشعور بالانتماء. فالعَلَم يصبح حاضراً على الملابس والشرفات وشاشات الهواتف، ويتحول النشيد الوطني لكل بلد إلى لحظة وجدانية يعيشها الملايين في وقت واحد. ويجد الأطفال في منتخباتهم صورة تجسد وبشكل ملموس وحدتهم، يشعرون بأنهم جزء من جمهور واسع يتشارك الأمل نفسه.
وفي العالم العربي، تتجاوز دوائر الانتماء حدود الدولة الواحدة. فعندما يواصل منتخب عربي مشواره في البطولة، تتحول مبارياته في كثير من الأحيان إلى مناسبة عربية مشتركة. وترتفع أعلام الدولة المشاركة في مدن عربية تبعد عنها آلاف الكيلومترات، ويتداول الجمهور عبارة «ممثل العرب» بوصفها تعبيراً عفوياً عن شعور ثقافي ووجداني مشترك. وقد أظهرت البطولات الأخيرة قدرة كرة القدم على خلق لحظات اجتماعية وإنسانية نادرة من الفرح العربي الجماعي، حين يصبح هدف يسجل في ملعب بعيد سبباً للاحتفال في بيوتنا وشوارعنا من الخليج إلى المحيط.
غيرت إيقاع حياتنا
تحدثنا دعاء سعيد، موظفة بدبي، عن تجربتها في متابعة المونديال قائلة: «منذ بداية فعاليات المونديال تغير إيقاع الحياة بالبيت، ومنذ يوم الافتتاح ومع الإعلان عن جدول المباريات ثم تفعيل جدول للتجمعات بين الأهل والأصدقاء، وتحول كل أفراد الأسرة إلى متابعين ومراقبين ومحللين للمباريات خاصة مع وجود أكثر من منتخب عربي مشارك، ما جعلني أنا وصديقاتي من مختلف الجنسيات العربية نهتم بالمتابعة والتشجيع بحماس رغم عدم معرفتنا القوية بقواعد كرة القدم».
وتضيف: «على مستوى العائلة أصبحت كأس العالم مناسبة غيرت شكل علاقتنا وحياتنا، فلم يعد ابني يقضي أوقاتاً طويلة خارج المنزل مع أصدقائه بمفرده، بل أصبح ينسق معنا لمشاهدة المباريات معاً سواء في الـ«فان زون» في دبي أو في أحد المقاهي أو المطاعم التي تذيع المباريات، وحتى في الوقت الذي نقرر فيه متابعة المباريات من المنزل نقوم بدعوة بعض الأهل والأصدقاء لمشاهدتها فيما يشبه الاحتفالية الممتدة. وأكثر ما سوف نفتقده بعد نهاية المونديال هو حجم التقارب الذي حدث بين جيلنا وجيل الأبناء والتواصل والنقاشات».
تقارب ومودة
ويشاركنا كريم موسى، طالب ماجستير بدبي، رأيه في تأثير المونديال على علاقته بأسرته، ويقول: «تعودنا أن ننتظر هذه الفعالية الكبرى كل 4 سنوات بشغف، حيث إن لها طقوساً ومذاقاً خاصاً يختلف عن أي مناسبة أخرى، فأنا أعتبرها وقتاً مستقطعاً غنياً بالمتعة والتشويق. وبما أن والدي وجدي أيضاً من مشجعي كرة القدم، تتميز هذه الفترة بتقارب أفكارنا أكثر من أي وقت آخر فلا نتوقف عن النقاش والحوارات حول كل مباراة وهدف ولاعب. كما جعلنا موعد المباريات المهمة موعداً للقاء والتجمع وتشاركنا والدتي وأخواتي البنات في الاهتمام بالمباريات، رغم عدم وجود علاقة حقيقية لهم مع الرياضة، وطوال الأسبوع نرتب لكيفية مشاهدة المباريات وتحضير مستلزمات المباراة من تسالي ومشروبات ومقرمشات ويكون التفافنا حول شاشة التلفاز أساسياً، رغم صعوبة اللحاق ببعض مواعيد المباريات، ولكن كل مباراة نتابعها تتحول إلى احتفالية تجمعنا».
وتؤكد بسنت إبراهيم، موظفة وأم لطفلين: «رغم أنني لست من هواة كرة القدم ولا أعرف شيئاً عن قواعدها، إلا أنني أشارك زوجي وأبنائي المشاهدة والحماس والتشجيع وأسعد كثيراً بحالة المشاركة والتواصل التي وجدتها بين كل أفراد الأسرة. فالتفافنا حول شاشة واحدة لمشاهدة مباراة مهمة وفتح مجال لأحاديث مشتركة بين كل أفراد الأسرة أسعدني وزاد التقارب بيننا، وخضنا سوياً كأسرة تجربة مشاهدة المباريات مع أصدقاء أبنائنا من المراهقين في أماكن تجمعات المشجعين في إحدى دور السينما. وهذا القرب زاد من حالة الحميمية بالبيت وأصبح ابني يحجز لنا أماكن المشاهدة الجماعية وسط أصدقائه بعد أن كان يرفض تماماً أن نخرج معه ومع أقرانه في أي تجمع لهم».
وهكذا، في عالم سريع الإيقاع تتراجع فيه مساحات الاجتماع العائلي أحياناً وتقل الروابط الاجتماعية، يعد المونديال احتفالية تجمع الناس في كل بيت وكل مكان، فقد أصبحت كأس العالم فرصة ذهبية للتقارب والتواصل بين أفراد الأسرة الواحدة، ونجحت في خلق حالة اجتماعية وحميمية ليس لها مثيل.